Powered By Blogger

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 3 مارس 2010

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود : (الحلقة ٢٤) حكايتى مع التصوف والمتصوفين

■ إن الحانوتى يسلب الموت كل هيبته بأن يجعله وظيفته وكذلك أنا أسلب الحياة كل بكارتها بأن أجعلها شغلتى

■ حاولت أن أناقش مشاكلنا كلها من جديد وأطرح التركة الفكرية التى ورثناها عن الجدود فى غربال واسع الخروم ليسقط منها الفاسد ويبقى الصالح

مصطفى محمود

العشق الإلهى.. والرجوع إليه.. والاعتراف بأنه الواحد الأحد.. كلها أشياء ولد مصطفى محمود يحملها بداخله.. لقد كان متصوفا منذ اللحظات الأول فى عمره لذا نجده، مر بمراحل متنوعة ومختلفة فى حياته بداية من الشك وانتهاءً بالإيمان والتصوف، وكان تصوفه يرافقه طوال مراحل الشك أو الإلحاد كما أطلق عليها البعض، فقد ولد مصطفى محمود متصوفاً مفعماً بحب الله منذ زمن بعيد، وكان وهو فى مطالع المراهقة يتساءل - فى تمرد- تساؤل كبار أقطاب الصوفية كالحلاج وابن عربى والنفرى والغزالى وأبوالعزايم والشعرانى.. وكانت كتبه «الله والإنسان» و«السر الأعظم» و«رأيت الله» و«لغز الحياة ولغز الموت» وغيرها، خير دليل على تصوفه وعشقه للذات الإلهية.

عندما فتحنا معه هذا الباب من الكلام ابتسم وقال كنت دائما أؤمن بأننى خلقت لأتساءل من أجل أن أثبت أنه الواحد الأحد، وكنت أقول «تقولون إن الله خلق الدنيا، لأنه لابد لكل مخلوق من خالق ولابد لكل صنعة من صانع ولابد لكل موجود من موجد.. صدقنا وآمنا.. فلتقولوا لى إذن من خلق الله.. أم أنه جاء بذاته.. فإذا كان قد جاء بذاته وصح فى تصوركم أن يتم هذا الأمر فلماذا لا يصح فى تصوركم أيضا أن الدنيا جاءت بذاتها بلا خالق وينتهى الإشكال»، ولكن كنت أتوقع أن أجد من يجاوب عن أسئلتى ويفهمنى الصواب، ولكن لسوء الإدراك لدينا نحن المصريين..

كنت أجد أن نتائج ما أطرحه من أسئلة هى اتهامى بالكفر والإلحاد، رغم أن كل هذه الأسئلة لا تنم عن ملحد ولا تبشر الأرض بظهور كافر وإنما كانت تنم عن أن مرددها ليس طفلا صغيراً مدللاً، أقصى أحلامه لعبة يستمتع بها بعض الوقت ثم يحطمها، أو شاب فى مرحلة المراهقة يجرى وراء شهواته الجنسية أو المادية.. وإنما كانت هذه الأسئلة تنم عن أننى أجرى وراء شهواتى الفكرية، لأكتشف الحقيقة الوجودية، فقد كنت أقول بكل جرأة وبدون أن أخشى صفعة على وجهى أو عصا على ظهرى «لقد رفضت عبادة الله لأننى استغرقت فى عبادة نفسى،

وأعجبت بومضة النور التى بدأت تومض فى فكرى مع انفتاح الوعى» وأيضا كنت أردد أن هذه الحالة النفسية وراء المشهد الجدلى الذى يتكرر كل يوم وغابت عنى أيضا أصول المنطق، وأنا أعالج المنطق ولم أدرك أننى أتناقض مع نفسى إذ أعترف بالخالق.. ثم أقول ومن خلق الخالق فأجعل منه مخلوقا فى الوقت الذى أسميه فيه خالقاً، وهى السفسطة بعينها.. ثم إن القول بسبب أول للوجود يقتضى أن يكون السبب واجب الوجود فى ذاته وليس معتمدا ولا محتاجا لغيره لكى يوجد أما أن يكون السبب فى حاجة إلى سبب فإن هذا يجعله واحدة من حلقات السببية ولا يجعل منه سبباً أول».

ويستطرد: «كنت أتعجب من كل الجدل الذى أواجهه بمجرد أن أتساءل وأستطيع الآن أن أقول إن هذه هى أبعاد القضية الفلسفية التى انتهت بأرسطو إلى القول بالسبب الأول والمحرك الأول للوجود وهى هذه الأفكار التى دفعته إلى الأمام.. وتستطيعون أن تقولوا إنها فعلت معى نفس الحكاية فكانت بداية التفكير والوصول إلى ذروة الإيمان والتصوف بداخلى، ولكن بمجرد أن اشتد عودى وخرجت إلى مرحلة الشباب وبدأت هذه الأفكار تخرج إلى المجتمع فى كتبى وبالأخص كتابى الأول «الله والإنسان» وجدت أن مشايخ الأزهر يصدرون فى الستينيات فتوى بتكفيرى «كما حدثتكم من قبل» وخرج بعض الشباب المتهور تحت لواء الجماعات الإسلامية التى تدعى الحفاظ على الإسلام والمسلمين ليحاولوا اغتيالى لمجرد أنى أتساءل..

وبالفعل نظموا هذا وكانوا حوالى إثنى عشر طفلاً، لأن أعمارهم حين ذاك لم تكن تتجاوز أربع عشرة سنة، ولكنى نفدت من هذا الاغتيال بأعجوبة وجلست معهم وطمأنتهم على أننى لن أبلغ عنهم ووجدت أنهم بحاجة إلى الشفقة وليس للسجن، حيث إنهم مازالوا أطفالاً لا يدركون ما يفعلون ولا يحفظون من القرآن والسنة ما يؤهلهم للدفاع عنهما.. ولكن تصوروا أن هذا كله يحدث معى وأنا مجرد باحث عن الحقيقة الوجودية وهذا من حقى ولا يمكن لأحد إجبارى على حجب أفكارى..

والغريب فى الأمر أننى كنت أطرح كل هذه الأسئلة التى لم يتسع لها عقول المتزمتين وكانت هى نفسها التساؤلات التى سألها من قبلى بقرون العديد من أقطاب الصوفية الكبار أمثال الحلاج وابن عربى والنفرى وعفيف الدين التلمسانى وعبدالوهاب الشعرانى وأتباعهم من بعدهم، وللأسف وجدت أن كل هؤلاء الأئمة العظام واجهوا جميعا نفس المصير الذى كنت أواجهه، وكأننا جئنا إلى بشر فضلوا الجعجعة الفاضية على العقل والمنطق والتفكير.. ولكن كان عصر هؤلاء الصوفية الكبار أكثر قسوة فصلب ابن عربى حتى الموت وأيضا الإمام الشعرانى وغيرهم كثيرون.

ويتابع مصطفى محمود «رغم كل الصعاب التى كنت أمر بها فإننى ظللت ثابتاً على موقفى وكنت أقول دائما إن الزاهد الموحد لا يقول أنا ولا يقول أنت ولا يقول هم ولا يقول نحن.. بل يقول هو لا يرى إلا هو.. ولا يقصد إلا هو.. لا إله إلا هو.. لا يخشى إلا هو.. ولا يتقى إلا هو.. ولا يرى ظاهرا ولا باطنا إلا هو.. فإذا أكل فهو يأكل من يده هو.. وإذا شرب فهو يشرب من كفه هو.. وإذا تلقى الرزق فمنه هو.. وإذا تلقى الحرمان فبتقديره هو.. وإذا قضى عليه بالشقاء فبقضائه هو.. «قل كل من عند الله»..

فإذا صبر فهو يصبر بالله على الله.. وإذا هرب فإنما يهرب من الله إلى الله.. وإذا استنجد فإنما يستنجد بالله على قضاء الله.. وإذا استعاذ فإنما يستعيذ بالله من قدرالله.. يستعيذ به من بلائه.. وما الشيطان فى النهاية إلا ابتلاء الله لعباده.. وما الكون إلا مظاهر أسماء الله وتجليات صفاته وأفعاله.. فهو لا يرى فى أى شىء إلا الله وفعل الله.. وهذا مطلق التوحيد.. وهذا غاية ما تقوله الأسماء لقلب المسلم.. فهى تقوده إلى مطلق التوحيد».

ويقول «فوجئت بأننى وصلت إلى النتيجة الطبيعية وهى أننى أنظر إلى كل الأشياء.. وكل المخلوقات.. نظرة الصوفى الذى آمن بأن الله ينزل فى كل المخلوقات وما المخلوقات إلا وسيلة للتعبير عن الله فيرى كل شىء بوضوح ويسر.. دون طلاسم أو ألغاز أو صعاب فمن يضل فى طريق الله ومن يسأل الناس والله بجانبه ومن يرى بشر والله أمامه وكان بحثى فى التصوف مختلفاً بعض الشىء عن أتباع الطرق المختلفة والمتنوعة.. فكنت أبحث لأننى أريد أن أكتشف الجديد حتى فى هذا الجانب «التصوف» وبالفعل وجدت أن قدماء المصريين «الفراعنة» عرفوا التصوف والإيمان والتفانى فيه وله ومن أجله، حيث كان يقول «هيرودوت»

إن المصريين القدماء كانوا أول الموحدين فى العالم وإن بقية العالم أخذ الدين عنهم فأخذت الهند شعائرها واليونان عقائدها من مصر.. وقد كانت بداية هذا التوحيد فى عصر «أمنحتب» فى تلك الترنيمة المحفورة على لوحة بالمتحف البريطانى وهى صورة ابتهال ومناجاة للإله.. ونصها هو.. «أيها الصانع الذى صورت نفسك بنفسك وصنعت أعضاءك بيديك.. أيها الخالق الذى لم يخلقك أحد.. الوحيد المنقطع القرين فى صفاتك.. والراعى ذو القوة والبأس.. والصانع الخالد فى آثاره التى لا يحيط بها حصر»، ويصل هذا التوحيد إلى ذروة فى النقاء والتجريد على يد إخناتون، حيث وجدت أنهم كانوا ينادونه بقول: «يا أتون الحى يا بدء الحياة.. إنك بعيد متعال..

ولكنك تشرق على وجوه الناس.. إنك تمنح الحياة للجنين فى بطن أمه.. وتعنى به طفلا.. وتسكن روعه فلا يبكى.. وتفتح فمه وتعلمه الكلام.. وتدبر له ما يحتاج إليه فى حياته.. وتعلم الفرخ كيف يثقب بيضته ويخرج.. وما أكثر مخلوقاتك.. يا واحد يا أحد ولا شبيه لك.. لقد خلقت الأرض حسبما تهوى.. خلقتك وحدك ولا شريك لك.. وخلقت ما عليها من إنسان وحيوان.. ودبرت لكل مخلوق حاجاته.. وقدرت له أيامه المعدودة.. وجعلت الناس أمما وقبائل ولغات متعددة.. وجعلت لهم الشتاء ليتعرفوا على بردك.. والصيف ليذوقوا حرارتك.. وصورتهم فى بطون أمهاتهم بالصور التى تشاء.. وأنزلت لهم الماء من السماء.. ليجرى أمواجا تتدافع وتروى حقولهم.. ما أعظم تدبيرك يا سيد الأبدية.. إنك فى قلبى.. وليس هناك من يعرفك.. غير ابنك الذى ولد من صلبك.. ملك مصر العليا والسفلى.. الذى يحيا فى الحق.. سيد الأرضين إخناتون».

ويوضح مصطفى محمود «فى هذه الفترة وجدت أننى يجب أن أخرج ما بداخلى من مشاعر التصوف فبدأت أقوم بإعداد بعض الكتابات الصوفية خاصة أننى متيم بهذه الحياة التى هجرت كل شىء من أجلها فكتبت قصة قصيرة عن هيام وحب وتجلى الصوفى الذى يرى الله فى كل شىء ويرى كل الأشياء الجميلة فى الله وداخل هذه القصة وجهت إلى بعض الصوفية فى مصر وليس المتصوفين نقدا حادا، حيث إننى وجدت أن هناك مسألة لا يمكن الصمت عنها وهى الخلط بين الظاهر والباطن.. وبين الأشياء والله.. حينما يدعون على الله أشياء غير حقيقية، وهو ما أغضب الكثير منهم بعد ذلك ووجهوا لى نقدا شديداً وكانت القصة هى الآتية:

«مد الرجل ساقيه فى البحر فى استرخاء لذيذ ونظر إلى البحر المديد الأزرق كأنه يشرب ويشرب لونه وترك روحه ترضع من هذه الشفافية اللؤلؤية والأنوار المتشععة الذائبة فى المياه.. شىء ما فى ذلك البحر كان يبدو لعينيه وكأنه من وراء العقل ومن وراء الحس شىء كالغيب يسطع خلال الظاهر، وتذكر كلمات ذلك الصوفى الذى قال إنه اشتاق إلى ربه وأنه احترق إليه شوقا وكاد عقله يهُلك عجزا عن بلوغه لولا أن نور الله كان يلوح له من وراء استار الغيب ومن خلال الجمال المتجلى فى الوجود فيروى ظمأه بين الحين والحين، وذلك هو الشرب والسكر الذى يحكى عنه الصوفية شرب الجمال المتجلى فى الوجود ذلك الشرب المغيب الذى يترك الروح نشوانة هيمانة تهتف.. الله.. الله.. وقد أدرك صاحبنا فى جلسته أمام البحر لأول مرة ذلك المعنى البعيد الذى يحكى عنه الصوفية، وشعر بذلك الشرب المغيب وهتفت روحه النشوانة، وقد أدركت طرفا من تلك الحضرة الإلهية المتجلية فى الأشياء التى هتفت فيها هيمانة سكرانة.. الله..

لقد اتصلت روحه لأول مرة بنبع الحُسن ومصدر الفتنة وسر الجلال والجمال فى الأشياء، وباشر تلك الرجفة الكهربائية وأحس بتلك الرعشة الروحية وهو يلامس السر السارى فى الوجود وفى نفسه وذلك هو حضور المحبوب المعشوقة التى كان يسأل عنها المحب الهيمان طوال الوقت ويبحث عنها ويرتحل اليها، هى طوال الوقت معه دون أن يدرى فى سواد عينيه وفى حنايا ضلوعه وأقرب اليه من حبل الوريد:

ومن عجب أنى أحن إليهمو

وأسأل عنهم من رأى وهمو معى

وترصدهم عينى وهم فى سوادها

ويشتاقهم قلبى وهم بين أضلعى

فما كان الحسن والجمال والفتنة التى لمح طرفا منها فى الشفاه والخدود والقدود إلا مددا من ذلك الغيب المغيب، ولا كان إلا تجليا لذات الحسن المتفردة «الذات الإلهية» التى هى أقرب إليه من نفسه وأقرب إلى عينيه من سوادهما وأقرب إلى لسانه من نطقه، إن ليلاه فيه وهو يقطع البوادى بحثا عنها «وذات الحسن المتفرد» التى أفاضت من حسنها البديع على كل شىء أقرب إليه من حبل وريده، وأوثق اتصالا به من دمه فى شرايينه، وحينما يدرك الصوفى ذلك يصيبه برد السلام ويهدأ فى جوانحه طائر القلب وتنشر عليه السكينة لواءها ويصبح صاحب الوجه النورانى والنفس المطمئنة الذى لا تزلزله الزلازل ولا تحركه النوازل».

ويستطرد «شعر صاحبنا بتلك الأنوار وهو جالس أمام البحر وأمامه قطف من عنب مثلج ورأى كل حبة عنب وكأنها تختزن داخلها نورا، وحينما ذابت فى فمه بردا وحلاوة شعر كأنما تعطيه سرها وتبوح له بمكنونها، وكان فى تذوقه لحلاوتها شيئا كالعبادة، وكأنما كان ربه هو الذى يطعمه ويسقيه مباشرة وبدون وساطة، ويناوله من كف الرحمانية ليأكل ويشرب.. وتذكر قول عميد العاشقين الإلهيين ابن الفارض حين قال:

شربنا على ذكر الحبيب مدامة

سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم».

ويتابع مصطفى محمود «إن وصف الشاعر بخمر الكرم من قبل أن يخلق الكرم ويقصد بها خمر السر المودعة فى الأشياء من قبل أن تخلق الأشياء، تلك هى خمر الأنوار المودعة كل الأشياء، وكل مؤمن مازال يعاود السجود مثل الملائكة كلما استشعر هذه الأنوار وكلما باشر سرها وذاق حلاوتها سجدت جوارحه وهتفت.. الله.. الله.. ووشوش له البحر بهذه الكلمات وكاشفه بتلك الأسرار وهو يهدهده بأمواجه ويتناثر كحجاب الماس على وجه ساقيه، وبقدر ما كانت صفحة البحر تبدو له هادئة ساكنة مطمئنة كان باطن البحر يقول له: باطنى وسع العالمين وسع الحياة والموت وسع كل شىء علما.. كان البحر أشبه بالرمز المهموس والإشارة الدالة والمثل المضروب على القدرة..

فهو الظاهر سبحانه ولكنه ليس المظاهر وتلك هى الفتنة التى يقع فيها المؤمن والكافر، تقول له المظاهر الجميلة وهى تدعوه إلى نفسها بجمالها فى سورة البقرة: «إنما نحن فتنة فلا تكفر» فإذا افتتن بها ووقع فى أسر جمالها وعبدها وقع فى الشرك الخفى وهلك، وذلك هو حال الأغلبية والكثرة من عشاق المظاهر وعباد المال والجاه والنساء، وإذا أدرك أنها فتنة ليست منها ولكن من الله المتجلى فيها، وأنها كالمصابيح فى زجاجات.. مصابيح لا تضىء بذاتها وإنما بمدد وأسلاك من شجرة مباركة هى التى تأتى منها الإنارة لكل المصابيح،

فإذا أدرك ذلك تجاوز بعبادته كل المظاهر وكل المصابيح المنيرة وتوجه إلى الله الذى ينيرها كلها بنوره وخرج من زحام الكثرة إلى صفاء الوحدة واختص الله وحده دونها بالعبادة ونجا، وهو حال القلة من العارفين وهذا سر الدنيا ولهذا خلقها الله لتمتحن بإغرائها معادن النفوس ويتميز بها العارف من الجاهل وتتميز بها المراتب والمنازل والدرجات ويعرف بها أهل الصدق صدقهم وأهل الكذب كذبهم حينما تنشر الأعمال وتهتك الأسرار فى يوم الحشر ويوم التغابن الذى لا ينفع فيه ادعاء الأدعياء ويوم يشعر كل إنسان أنه غبن نفسه حينما تعجل لذة تافهة وزائلة لا تساوى شيئا وحرم نفسه من ميراث جنة لا تنفد لذائذها.. ووشوش له البحر وهمس له الموج وتناثر كالماس على وجهه وقدميه واتصل السر بالسر ومضى الحوار».

ولكن بعد كل هذه الرحلة الصوفية شديدة التجلى ختم مصطفى محمود حياته متصوفا فى حب الذات الإلهية التى بحث عنها كثيرا ووجدها أخيرا ثابتة كما نزلت على كل الأنبياء والرسل فهى محور كل الأشياء وأصل كل الأشياء ولولاها ما خلقت الأشياء كلها.. وهو هنا يقول .. «لم تكن رحلة البحث التى غُصت فيها بكل أعماقى وجسدى وفؤادى طوال حياته لتشككى فى الذات الإلهية، وإنما لأتحول إلى صوفى وعندما وجدت ما سعيت إليه سررت بما وجدت وعشت فى هيام وحب «الواحد الأحد» هدأت نفسى واطمأن قلبى وشعرت بأننى أديت ما خلقت من أجله وهو الإشارة إلى الثوابت الوجودية التى لابد أن نؤمن بها ولا نحيد عنها ولهذا كتبت أقول:

المـعـذرة.. حبيبتى برئت من يدى.. وبرئت من عينى.. وبرئت من فعلى.. وبرئت من جلدى.. إن كانت النوايا أثمة.. وخوفى من علم ربى بالسرائر.. ويلنا ظلمنا أنفسنا.. هلكنا من اليوم لا نجاة.. إن لم نفز بمغفرة.. يا ضيعة العمر إن لم نفز بمغفرة.. بل لا ييأس من روح الله إلا الكفرة.. ظلمت ربى الغفار الذى وسع كل شىء رحمة وعلما والذى خلق الضعف.. كيف لا يحنو عليه أكثر من حنو الأم بالوليد.. كيف لا يشفيه من نفسه ويرحمه»

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود :الحلقة (٢٣).. أيام التكفير الثالث فى أزمة «الشفاعة»

■ أثارتنى كثيراً قضية السلبية التى يعتنقها الكثير من المسلمين، والاتكالية التى يجاهرون بها معتمدين على قضية شفاعة رسول الله سيدنا محمد للمسلمين أجمعين

لا أستطيع تخيل أن يخرج العصاة من النار ويدخلون الجنة لمجرد الشفاعة.

■ كنت أتساءل: كيف يكون هناك فى النهاية وأمام العدل الإلهى واسطة أو «فيزا كارت» و«كوسة» لدخول الجنة.

■ هل يعقل أن يتوسط الرسول للعصاة والزناة والقتلة من المسلمين ليدخلهم الجنة ويساوى بين الصالحين؟!

■ يجب أن يتخلى المتصوفون عن مقولتهم الاتكالية «افعل ما تريد وصلى على الشفيع»، ففيها منتهى الاتكالية وإباحة ارتكاب المعاصى.

مصطفى محمود

مشكلته الحقيقية التى كانت تثير الآخرين ضده أنه كان طموحا.. مغامرا.. منقبا.. مكتشفا.. رائدا فى كل شىء، بداية بظهور الفكرة إلى تنفيذها.. هذه باختصار صفات اكتسبها عالمنا الكبير الدكتور مصطفى محمود.. لم يقبل مجرد تلقى الدين بالوراثة، أراد أن يبحث ويكتشف ويفكر ويخرج بنتائج جديدة لم يصل إليها أحد من قبل.. نتائح جعلت نفوس الكثيرين تحمل له الضغينة، وهنا يقول مصطفى محمود: «دائما كنت أتمرد على المسلمات خاصة الدينية، فكيف أتلقى الدين بدون تفكير، وقد وهبنا الله عقولا ميزنا بها على جميع مخلوقاته،

وبالفعل أثارتنى كثيرا قضية السلبية التى يعتنقها الكثير من المسلمين، والاتكالية التى يجاهرون بها على قضية شفاعة رسول الله سيدنا محمد للمسلمين أجمعين حتى يخرج العصاة من النار ويدخلهم الجنة وكنت كثيرا أفكر فى هذه القضية وأقول: كيف يكون فى النهاية، وأمام العدل الإلهى، واسطة أو فيزا كارت لدخول الجنة، وهل يعقل أن يتوسط الرسول للعصاة والزناة والقتلة من أمته ليدخلهم الجنة ويساوى بين الصالحين».

ثم صمت بعض الوقت، وقال: «قبل أن أدخل بكم فى عمق القضية يجب أن أحدثكم كيف بدأت الفكرة.. وهى بالفعل راودتنى عندما حضرت أحد الموالد والحضرات الصوفية، ووقع على مسامعى صوت أحد الدراويش يردد (افعل ما تشاء وصلى على اللى هيشفعلك).. أذهلتنى العبارة فخرجت من اندماجى بترديد الأوردة الصوفية وسألت الناس فى الحضرة عن هذا الكلام، وترتب عليه مناقشة طويلة فى هذا السياق، علمت من خلالها أن الاتكالية عند البشر لا حدود لها، وفى نفس الوقت كان يجول بذهنى موضوع الآخرة والحساب والجنة والجحيم وأهوال القيامة وأنا أطالع مشاهد الشتات والتهجير والتجويع والمطاردة لتسعمائة ألف من مطاريد كوسوفا والامهات تبكى والاطفال كالتماثيل المشدوهة تحملق فى الفراغ فى رعب،

وأتساءل‏: أيخطر بذهن هذا الرجل المجنون «ميلوسوفيتش» فكرة الآخرة والحساب ام يظن فى عمى التعصب أنه سوف يكافأ على طرده للمسلمين الكفرة - بحسب اعتقاده - وتطهيره للأرض من أرجاسهم،‏ وأنه سوف يؤجر على عمله بالجنة‏‏.. إن الرجل مسيحى أرثوذكسى‏ وقد فعل الكاثوليك فى إسبانيا عند سقوط الحكم الاسلامى بالمسلمين أسوأ بكثير مما فعل‏‏، فقد أحرقوا المسلمين أحياء وهذه هى أوروبا التى تتشدق بحقوق الانسان والتسامح الدينى والعلم والحرية والفن والثقافة الرفيعة وجال بخاطرى الكثير من الأفكار..

هل من المعقول أن مثل هؤلاء السفاحين سينعمون بالشفاعة ويدخلون الجنة لو أنهم من أمة الاسلام؟ وعكفت على دراسة القضية بشكل علمى منهجى بحثى فى القرآن وفى كل كتب السيرة والسنة والاحاديث الصحيحة، ووجدت أن رواة الأحاديث أجمعوا على أن النبى قد نهى عن تدوين الأحاديث، وجاء هذا النهى فى أكثر من حديث لابى هريرة وعبدالله بن عمر وزيد بن ثابت وأبى سعيد الخدرى وعبدالله بن مسعود وغيرهم».

وأضاف المفكر الكبير: (وفى كلمات أبى هرير‏ة يقول فى قطعية لاتقبل اللبس‏‏ «خرج علينا الرسول ونحن نكتب أحاديثه فقال ما هذا الذى تكتبون‏..‏ قلنا أحاديث نسمعها منك يا رسول الله‏..‏ قال..‏ أكتاب غير كتاب الله..‏ يقول أبوهريرة فجمعنا ما كتبناه وأحرقناه بالنار‏». وأبوهريرة نفسه هو الذى قال فى حديث آخر: بلغ رسول الله أن أناسا قد كتبوا أحاديثه فصعد المنبر وقال‏ «ما هذه الكتب التى بلغنى أنكم قد كتبتم‏..‏ إنما أنا بشر فمن كان عنده شىء منها فليأت بها‏..‏ يقول أبوهريرة‏..‏ فجمعنا ما كتبناه وأحرقناه بالنار‏».‏

كما أن هناك حديثا للرسول متفقا عليه حيث قال «لا تكتبوا عنى غير القرآن ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه» وفى رواية لابى سعيد الخدرى قال‏‏ «استأذنت رسول الله عليه الصلاة والسلام أن أكتب حديثه فأبى أن يأذن لى»،‏ أما عبد الله بن عمر فقال‏‏ «خرج علينا رسول الله عليه الصلاة والسلام يوما كالمودع وقال‏: «إذا ذهب بى فعليكم بعدى بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه‏». وأبو بكر أول الراشدين روت عنه ابنته عائشة فقالت «جمع أبى الحديث عن رسول الله وكان خمسمائة حديث فبات ليله يتقلب كثيرا فلما أصبح قال‏.‏. أى ابنتى هلمى بالأحاديث التى عندك فجئته بها فدعا بنار وأحرقها»،

أما ثانى الراشدين عمر بن الخطاب‏ فقد صعد المنبر وقال‏‏ «أيها الناس بلغنى أنه قد ظهرت فى أيديكم كتب فأحبها إلىّ أحسنها وأقومها فلا يبق أحد عنده كتابا إلا أتانى به فأرى رأيى فيه، فظن الناس الذين كتبوا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يريد أن ينظر فيها فأتوه بكتبهم فجمعها وأحرقها‏ وقال‏ أهى أمية كأمية أهل الكتاب‏ ثم كتب إلى الانصار من كان عنده من السنة شىء فليتلفه».

ويواصل د. محمود: (كان خوف عمر أن يحدث ما حدث لأهل الكتاب من تأليه الانبياء وتقديس كلامهم فيتحول مع الوقت إلى وحى له شأن الوحى الإلهى، وكهنوت كما حدث فى الأديان الأخرى،‏ ثم كان الخوف الأكبر من الأحاديث الموضوعة والمدسوسة والاسرائيليات‏. فهناك الحديث الذى ينسب لرسول الله والذى ورد فيه أن موسى فقأ عين ملاك الموت عندما حضر ليقبض روحه فهل هذا كلام معقول..

وهذا يدل على أن هناك أحاديث مدسوسة وإسرائيليات كثيرة ويجب تطهير الحديث منها والتى من بينها أحاديث الشفاعة، والدال على هذا ذلك أن الإمام البخارى لخوفه وتشككه فى كثير من الأحاديث لم يدون من أربعمائة الف حديث جمعها إلا أربعة الاف حديث فقط، وهو نفس الخوف الذى كان فى قلب أبى حنيفة الذى لم يصح عنده سوى سبعة عشر حديثا من مئات الألوف‏‏، وبعد دراستى لتلك المعلومات ودراستها جيدا والتأكد من صحتها قلت فى ذلك الوقت: إذا كان هذا الشك والخوف طارد عقول وقلوب كبار أئمة الحديث‏، فإن من الطبيعى أن يكون عندنا أضعاف هذا الخوف، وأيقنت أنه يجب ألا أقبل من الأحاديث ما يناقض القرآن الكريم، لأن القرآن هو التشريع الأول والسنة هى التشريع الثانى، فإذا ناقض الثانى الأول يصبح حكم الثانى خاطئا والتنفيذ للأول، وهذا بالطبع ليس إنكارا للسُنة ولكن غيرة على السنة وخوفا عليها من الوضاعين والمتقولين الذين قوّلوا الرسول عليه الصلاة والسلام ما لم يقل ).

ويتابع: «بالفعل خرجت من القرآن بمجموعة من الآيات تؤكد صحة أفكارى واجتهاداتى تجاه قضية الشفاعة، والتى ليست مباحة للجميع وهناك شروط لتطبيقها، وكانت هذه الآيات هى «لله الشفاعة جميعا ـ ما من شفيع إلا من بعد إذنه» يونس، «وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولىّ ولا شفيع» الأنعام، «يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا» طه، «فما تنفعهم شفاعة الشافعين» المدثر... إلى آخره من الآيات التى تثبت أن الشفاعة موجودة ولكن لها شروط وضوابط وأهمها أن الله يعطيها لمن يشاء وينزعها ممن يشاء وأن الرسول سيتشفع، ولكن لن يكون بين المتشفع لهم زانٍ أو قاتل أو سارق، وخرجت بكل هذه الحقائق الموجودة فى القرآن والسنة فى كتاب حمل عنوان «محاولة لفهم الشفاعة» والذى لاقى ما تلاقيه معظم كتاباتى الفكرية من هجوم من فئة المتزمتين أصحاب العقول المتحجرة والرجعية وكالعادة ألصقوا الفتوى من فوق منابرهم السلفية بتكفيرى للمرة الثالثة، وكانت أسبابهم فى هذه المرة أننى طاعن فى السنة ومنكر لها.

ويستطرد: (لكن الشىء الغريب والعجيب أنه فى بداية طرحى للفكرة والكتاب فى الأسواق ساندنى وأيدنى شيخ الأزهر، محمد سيد طنطاوى، من خلال مجموعة مقالات نشرت فى جريدة «الأهرام» أثبت فيها أن كتابى يحمل حقائق دينية نغفل عنها جميعا تستحق البحث والدراسة التى يتكاسل عنها الان معظم علماء المسلمين، ولكنى بعد ذلك فوجئت بعاصفة شديدة وهجوم عنيف من التيارات الدينية ومن بعض علماء الأزهر وأئمته وكأن السنوات تعود بى إلى الوراء،

وأيقنت أنه مازال الازهريون يعتقدون أنهم هم المكلفون بأمور الدين والتفسير والاجتهاد وما إن قامت الدنيا كلها ضدى حتى هرب الشيخ طنطاوى شيخ الأزهر وتركنى فى الساحة وحدى وسحب تأييده لى وكأننى كفرت بالله سبحانه وتعالى ولم يتدبر هؤلاء المتذمرون والمعارضون لى ما هو المقصود بالضبط من هذا الكتاب، وفسر البعض أننى منكر لوجود الشفاعة من أساسها كما قلت.. وانفجرت الردود فى وجهى من جميع الاتجاهات حتى تجاوزت المؤلفات التى ترد على كتابى الاربعة عشر كتابا،

ولكن أشد ما أحزننى أن الكثير من الذين هاجمونى لم يقرأوا الكتاب من الاساس وذلك كان واضحا وظاهرا من ردودهم غير المنصفة وكان من بينهم الدكتور يوسف القرضاوى، فرغم أننى أحبه وأقدر مكانته الدينية إلا أنه هاجمنى دون أن يقرأ الكتاب حيث اكد هو والاخرون أننى انكرت الشفاعة والحقيقة أننى لم أنكر الشفاعة ولكنى أقول إنها مشروطة بضوابط).

ويوضح محمود: (كانت الردود الغاضبة والعائبة تتزايد كل يوم على الاخر وأنا لم أفهم سببا واحد لهذا الغضب فالله بكرمه فتح لنا باب التوبة لنتوب عن ذنوبنا ونتطهر من أوزارنا وجعل هذه التوبة ممدودة إلى النفس الأخير فلا يغلق بابها إلا ساعة الحشرجة، فالله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، هو وحده صاحب الكلمة فى ذلك اليوم، لم يتخذ له وكلاء ولا مساعدين، وهو مالك يوم الدين كما نقرأ فى فاتحة الكتاب فى كل صلاة فلا يمكن أن يشاركه أحد فى ذلك اليوم،

وأيقنت أنى مهما قلت وحاولت أن أوضح حقيقة ما أعنيه فإن هواة الجدل سيتكلمون إلى آخر الدهر ولكن دون جدوى، ووجدت أن موضوع الشفاعة أصبح الشعرة التى يتمسك بأهدابها المذنبون والمجرمون، وأحلاما يتعلق بها كل من قعدت به همته عن الطاعة وأنا لا أريد عذابا لأحد بالعكس فأنا مثل غيرى من أهل الذنوب ألتمس الخروج من أهوال هذا اليوم ولكنى وجدت أن القرآن لا يفتح بابا إلا ويسده فهو يقول «ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له» وهو كلام عن الملائكة ولكن ماذا يقول القرآن بعد ذلك «حتى إذا فُزّع عن قلوبهم» لهول الموقف، وقول الملائكة: «قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير»،

إذن لا مفر فى هذا اليوم يوم الفزع الاكبر عن الحق ولا إذن إلا بالحق، وفى مكان آخر يقول عن الملائكة «ولا يشفعون إلا لمن ارتضى»، وبذلك عاد فأغلق الباب وجعله مقصورا على أهل الرضا أى المرضىّ عنهم، أى تحصيل حاصل لأن المرضى عنهم ناجون بحكم ما فعلوا فى حياتهم من خير، والحسنات كما يقول القرآن يذهبن السيئات، وحظ الملائكة هو تشريفهم، وحظ كل من يقوم بهذه الشفاعة هو تشريفه، فهو الذى سيقوم بالتهنئة ويضع النيشان على صدر صاحب النصيب ولكن هذا النصيب هو لا شك واصل لصاحبه لأنه حقه، وهذا يوم الحق الذى لا يتم فيه شىء إلا بالحق).

ويواصل: (دائما كنت أتعجب من الرافضين والمستنكرين فأنا مثلهم من أهل الذنوب ومحتاج لقشة أتعلق بها فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، ولكنى لا أستطيع أن أخدع نفسى ولا أستطيع أن أحرف معانى الآيات القرآنية لأخرج منها بما يرتاح له قلبى ويشفى فزعى، فإن الحق أحق بأن يقال وأولى بأن يتبع وإن كان لا يصادف الهوى ووجدت أنه يجب علينا أن نواجه هذه الحقيقة المؤلمة يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا تنفعها خلة ولا شفاعة،

والله يربط هذا القانون باسمه الإلهى فى سورة السجدة فيقول «الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من من دونه من ولىّ ولا شفيع أفلا تتذكرون ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع» والنفى هنا قطعى لاى نوع من ولىّ أو شفيع، هذا القطع الذى يرتجف له القلب فزعاً والذى لا تملك له إلا السجود مبتهلين أن يفتح لنا الله بكرمه وفضله باباً للتوبة ماذا نملك أمامه سوى الاستغفار وطلب العفو والصفح والعزم على التطهر من كل إثم، وعلى عدم العود إلى المخالفة أبدا؟

وما حفزنى اكثر على إخراج كتاب الشفاعة حديث رسولنا العظيم الذى قال فيه «من يترك العمل يتكلم على الشفاعة يورد نفسه المهالك ويحرم من رحمة الله».. كان خوفى من هذه الاتكالية هو حافزى الأول والاخير وما كتبت وما خضت هذه المعركة الشرسة إلا ابتغاء مرضاة الله، ويعلم الله أنى أتكلم الآن وأقول الحقيقة، فلم أقصد الاساءة إلى الدين أو الرسول كما صورونى للناس فقد عشت عمرى كله أحمل راية الدفاع عن الدين).

وينهى المفكر الكبير الحديث عن قضية الشفاعة قائلاً: (ابتعدت بعد ذلك عن الساحة الإعلامية والجدلية الفلسفية والفكرية لاسباب صحية بحتة.. ابتعدت بعد هذا الصراع والجدل عن الساحة وهذا جعل المعارضين لفكرى يرددون إشاعات بأننى عندما اكتشفت خطئى اعتزلت الحياة الاجتماعية خشية مواجهة المجتمع، وهذا غير صحيح فلو يعرفوننى جيدا لعرفوا أننى من أوائل المعترفين بأخطائهم إذا وقعت للتطهر منها، وأننى أقول إذا كنت ابتعدت عن الساحة بجسدى فإن أفكارى وكتبى ستظل موجودة دائما، وأننى لم أتراجع عن موقفى الذى اتخذته تجاه قضية الشفاعة حتى الآن).

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود : الحلقة (٢٢).. الهجوم على تفسيرى لـ «القرآن» لم يرهبنى

■ ببساطة هل المفروض أن يقدم للعرب قديماً «وهم سكان البادية ورعاة الأغنام والإبل» ما يقدم الآن لعالم فضاء أو مهندس ذرة.. نفس المادة، وهى كتاب الله الحكيم، لكن الاختلاف هنا بين العصرين الوسيلة التى سيقدم عليها وبها.. بمعنى آخر على أى طبق أو بأى معنى؟ هل المعنى الذى تحدث به المفسرون القدامى أم أننا بحاجة إلى طريقة ووسيلة حديثة وجديدة ومعاصرة لمواجهة هذا العصر؟

■ هذا هو ملخص مشكلة التفسير العلمى للقرآن الذى أطلقته منذ أربعين عاما وكان بداية لانفجار مدرسة الإعجاز العلمى للقرآن، لأننى أيقنت أننا سنواجه طفرة علمية قادمة، وهى التى وصلنا أو بمعنى أدق وصل إليها العالم الآن، ومازالت ستتطور وتتحدث وكنت أخاطب نفسى هل سيستطيع أحفادى أن يتمسكوا بالقرآن فى تلك العصور.

مصطفى محمود

لم يتعمد الفارس المتمرد.. فيلسوف الشرق.. الدكتور مصطفى محمود إحداث الضجة الإعلامية حوله من أجل الظهور على الساحة، ليصبح من المشاهير كما قالوا عنه خلال الأزمة التى وقعت بعد صدور كتابه فى تفسير القرآن، ولم يكن مجرد مفكر تأخذه شطحاته إلى الهلاك وتدخل به سراديب تغوص فى ظلام الكفر والعلمانية كما قالوا عنه أيضا خلال تلك الفترة..

بل هو مفكر أراد الخير لأمته الإسلامية وأراد أن تتوقف لتتأمل الخطر الذى تقبل عليه، وعندما تحدثنا مع الدكتور مصطفى محمود حول تلك الأزمة حفزناه على استرجاعها بنفس الحماس الذى واجهها به فى وقتها، إذ قال: كثيرون هاجمونى، وأخرجوا كتبا عديدة لمواجهتى، ولكننى كنت أقول دائما أمام الجميع إن كل هذه الكتب التى خرجت ضدى لم تستطع أن تحرك شعرة فى رأسى، لأنه كما كان هناك معارضون كان هناك مؤيدون من كبار الأئمة والعلماء فى مصر والعالم الإسلامى،

وفى تلك الفترة كنت أواجه أسئلة سخيفة لا تنم إلا عن سلفية سائليها، وكان أول هذه الأسئلة هو: هل تمتلك مؤهلات المفسر العصرى للقرآن وأنت طبيب ومؤلف وكاتب صحفى ولم تدرس فى الأزهر الشريف من قبل؟ وكنت أجيب: رغم أننى لست من أصحاب العمائم ولم أدرس فى الأزهر فإننى أستطيع تفسير القرآن لأن مؤهلات المفسر العصرى للقرآن تقوم على أمرين أمتلكهما، حيث وهبنى الله تلك الملكات والعلوم.. أولهما أن يكون المفسر ملما بحاجة العصر..

وثانيهما أن يكون عالما علما وافيا ودقيقا بحقيقة القرآن.. أما حاجة العصر فالهداية.. فإن البشرية لم تكن يوما فى التيه كما هى اليوم.. وسمة هذا العصر هى القلق والحيرة والاضطراب.. هذا عصر الثورات »الثورة الثقافية والثورة الجنسية وثورة الشباب« وكلها دليل على القلق والحيرة والاضطراب.. فنواجه فى هذا العصر »الهيبز« وهم جماعات من الشباب من الجنسين يزيد عددهم كل يوم ويستطير شرهم كل يوم حتى عمًّ جميع الأقطار.. يقوم مجتمعهم على الرفض فهم قد وجدوا مجتمع الحضارة الغربية الآلية مجتمع إنتاج واستهلاك فقد فيه الإنسان المعاصر روحه وقيمته وحريته واستحال إلى آلة تنتج وتستهلك فرفضوه ورفضوا معه كل عرف ودين..

فنزعوا إلى صور من مجتمعات الغابة فهم يلبسون المرقعات ويسيرون حفاة ويرسلون شعورهم ويبيتون على الأرصفة وفى الطرقات ويستبيحون بينهم من العلائق الجنسية ما ظلت البشرية على صيانته حريصة خلال تاريخها الطويل.. هم يبحثون عن حريتهم وعن إنسانيتهم وعن فرديتهم فلا يجدون غير الضياع وغير القلق والاضطراب.. ثم توقف عن الكلام لأنه شاهد فى عيوننا الدهشة لإلمامه بكل هذه الظواهر وهو فى عزلته،

وبالتالى سألناه: هل تدرك هذه الظواهر وتهتم بها وهل سعيت لإيجاد الهداية لها من القرآن بتفسيره العصرى وما هى حقيقة القرآن؟ فقال بصوت هادئ وهو يطرد الزفير: القرآن هو العلم المطلق.. وعندما يأذن الله أن يسرع الإنسان فى معرفة المطلق نزله من الإطلاق إلى القيد، فكانت فى قمة القيد تلك الإشارة وفى قاعدة القيد وهى.. العبارة.. فأما العبارة فهى الكلمة العربية..

وأما الإشارة فهى حرف الهجاء العربى.. وأما حقيقة القرآن فهى فوق الإشارة وفوق العبارة.. »ثم توقف الدكتور مصطفى محمود عن الكلام وقال: لا تعتقدان أن هذا هو كلامى بل هو كلام الله« فقد قال تعالى فى ذلك »حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم« فقوله تعالى »حم« إشارة وقوله »والكتاب المبين« عبارة وقوله »إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون« عبارة تعطى العلة وراء تقييد المطلق وقوله »وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم« عبارة تحكى بقدر طاقة العبارة عن حقيقة القرآن..

وحقيقة القرآن لا تعرف عن طريق القراءة وإنما تعرف عن طريق الممارسة فى تقليد المعصوم عبادة وسلوكا وهو ما سمى فى أخريات الأيام بـ»التصوف«.. ثم قال مصطفى محمود: دائما كانوا يسألوننى.. هل تؤمن بالتصوف؟ وكنت أجيب دائما: أنا متصوف ولست صوفياً وهناك فرق كبير بين الاثنين.. والدليل على تصوفى كتابى »التفسير العصرى للقرآن« وكتب أخرى كثيرة.. ومهما يكن الأمر فإن البشرية اليوم لا تحتاج إلى تفسير القرآن فقط وإنما تحتاج إلى تأويله.. كما كان يوجه لى سؤال: إن هناك تشابها بين تفسيرك للقرآن والتفسير المسيحى للكتب المقدسة؟..

وكنت أجيب بأنه لا يوجد شبه بيننا على الإطلاق حيث كان الكتاب المقدس محتكرا فى القرون الوسطى لا يطلع عليه غير رجال الدين حتى كانت ثورة مارتن لوثر فى القرن السادس عشر فكسرت الاحتكار وأحدثت ثورة فى الكنيسة وأشاعت الكتاب بين عامة المسيحيين ثم جاءت بتفاسير ثورية متطرفة خرجت على التقليد الذى درجت عليه الكنيسة فى روما وأخرجت للناس المذهب البروتستانتى المعروف.. ومن يومئذ بدأت الثورة تستطير والفرق والمذاهب تظهر والرأى التقليدى فى الدين المسيحى يصبح مجالا للمناجزة، وسلطة البابا تتعرض للتحدى إلى يومنا هذا، حتى تعرضت الكنيسة على عهد البابا بولس السادس لأعنف ما تعرضت له فى تاريخها الطويل من الاختلاف..

وبوضع هذه الأحداث فى الاعتبار لا يوجد وجه للتشابه الذى كانوا يتحدثون عنه، ولكن التفسير المسيحى للكتب المقدسة، على حد تعبيرهم، يقارب بعضه باعتبار أن الفهم الدينى عند من يسمون أنفسهم رجال الدين عندما يتجمد ويتخلف وينشر الإرهاب الفكرى.. يحمى به جموده وتخلفه يدفع إلى ثورة طائشة فى الفكر والعمل.. ولذلك كان تفسيرى للقرآن يمثل ثورة على جمود الفكر الدينى وبداية لكسر احتكار من يسمون أنفسهم رجال الدين عندنا للدين، وإذا اعتبر أحد أن هناك تشابها فسيكون هذا هو التشابه..

وهنا وجدنا أننا لابد أن نتوقف معه عند أكثر هجوم تعرض له فى تلك الفترة، وهو هجوم بنت الشاطئ حيث قال: كانت أعنف المعارك حول الإعجاز العلمى للقرآن المعركة التى أعلنتها الدكتورة بنت الشاطئ ضدى، وكانت تنشر مقالاتها بشكل منتظم فى »أهرام الجمعة« وكانت مقالاتها فى منتهى العنف وكأنها كانت تُكنُّ الكراهية للعلم،

وهنا أتذكر عباراتها الحادة حيث كتبت فى البداية عن كيفية التعامل مع القرآن فتقول: »لابد أن يكون فهمنا لكتاب الإسلام متحرراً من كل الشوائب المقحمة والبدع المدسوسة بأن نلتزم فى تفسيره بضوابط منهجية تصون حرمة كلماته فنرفض بها الزيف والباطل ونتقى أخذة السحر وفتنة التمويه وسكرة التخدير«، ثم تنطلق وكأننى أصبحت عدوا للإسلام ولست حريصا عليه فتقول وتحذر من أن.. »الكلام عن التفسير العصرى للقرآن يبدو فى ظاهره منطقياً ومعقولاً يلقى إليه الناس أسماعهم ويبلغ منهم غاية الإقناع دون أن يلتفتوا إلى مزالقه الخطرة التى تمسخ العقيدة والعقل معاً وتختلط فيها المفاهيم وتتشابه السبل فتفضى إلى ضلال بعيد إلا أن نعتصم بإيماننا وعقولنا لنميز هذا الخلط الماسخ لحرمة الدين المهين لمنطق العصر وكرامة العلم..

« وكنت أحيانا أرد بالطبع على بنت الشاطئ متعجباً ومتسائلاً: »هو انتى زعلانة من إيه؟.. هو فيه حد يزعل من إن كتاب القرآن الكريم يحتوى على نبوءات وتفسيرات علمية«.. ولكنها كانت ترد بشكل عنيف وشرس فتقول: »الدعوة إلى فهم القرآن بتفسير عصرى علمى على غير ما بينه نبى الإسلام تسوق إلى الإقناع بالفكرة السامة التى تنأى بأبناء العصر عن معجزة نبى أمى بعث فى قوم أميين فى عصر كان يركب الناقة والجمل لا المرسيدس والرولز رويس والبوينج وأبوللو.. ويستضىء بالحطب لا بالكهرباء والنيون.. ويستقى من نبع زمزم ومياه الآبار والأمطار لا من مصفاة الترشيح ومياه فيشى ومرطبات الكولا..

ونتورط من هذا إلى المزلق الخطر يتسلل إلى عقول أبناء هذا الزمان وضمائرهم فيرسخ فيها أن القرآن إذا لم يقدم لهم علوم الطب والتشريح والرياضيات والفلك والفارماكوبيا وأسرار البيولوجيا والإلكترون والذرة فليس صالحاً لزماننا ولا جديراً بأن تستسيغه عقليتنا العلمية ويقبله منطقنا العصرى«.. هكذا كانت تتكلم بنت الشاطئ فى هجومها ضدى وكانت تقول أيضا: »الذى لا أفهمه وما ينبغى لى أن أفهمه هو أن يجرؤ مفسرون عصريون على أن يخرجوا على الناس بتفاسير قرآنية فيها طب وصيدلة وطبيعة وكيمياء وجغرافيا وهندسة وفلك وزراعة وحيوان وحشرات وجيولوجيا وبيولوجيا وفسيولوجيا.. إلخ،

إما أن أتخلى عن منطق عصرى وكرامة عقلى فآخذ فى المجال العلمى بضاعة ألف صنف معروضة فى الأسواق.. وإما أن أتخلى عن كبرياء علمى وعزة أصالتى فأعيش فى عصر العلم بمنطق قريتى حين يفد عليها الباعة الجوالون بألف صنف يروج لها ضجيج إعلانى بالطبل والزمر عن كل شىء لكل شىء أو بتاع كله فى فكاهتنا الشعبية الساخرة بالادعاء«.. فكان تشبيهها لدعاة الإعجاز العلمى بالحواة تشبيهاً خاطئا وحاداً وأخطأت فى ردها على إعجاز بيت العنكبوت،

وهو عملية اكتشاف تأنيث القرآن للعنكبوت فهذا إعجاز علمى فى قوله تعالى »مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً« وهذا يعد من الإعجاز العلمى لأن العلم كشف مؤخراً أن أنثى العنكبوت هى التى تنسج البيت وليس الذكر وهى حقيقة بيولوجية لم تكن معلومة أيام نزول القرآن ولكن بنت الشاطئ أخطأت حين قالت: »إن مصطفى محمود وقع فى خطأ لا يقع فيه المبتدئون من طلاب اللغة العربية،

فالقرآن فى هذه الآية يجرى على لغة العرب الذين أنثوا لفظ العنكبوت من قديم جاهليتهم الوثنية كما أنثوا مفرد النمل والنحل والدود فلم يقولوا فى الواحد منها إلا نملة ونحلة ودودة وهو تأنيث لغوى لا علاقة له بالتأنيث البيولوجى كما توهم المفسر العصرى، فأى عربى وثنى من أجلاف البادية كان ينطقها هكذا فأين الإعجاز العلمى فى هذا الكلام؟«.. بكل بساطة كانت هذه هى معركة بنت الشاطئ معى »رغم أنها أول من شجعنى على نشر كتابى وهى التى اختارت الاسم له كما قلت من قبل« ولقد لجأت إلى مقالاتها لحل معركة داخلية ومشكلة شخصية فكرية كادت تعصف بى كان محورها ما أؤمن به من إعجاز علمى، ولكن رغم كل ما واجهته من هجوم ونقد فإن ما توقعته وتوصلت إليه من سنوات يتحقق الآن على أرض الواقع.