Powered By Blogger

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 4 فبراير 2010

العالم المصرى الأمريكى أحمد زويل على شاشة قناة دريم

عندما يتحدث العالم المصرى الأمريكى أحمد زويل على شاشة قناة دريم، فإن التوقعات بهوية المُحاور لا تخرج عن اثنين، إما المذيعة منى الشاذلى التى استضافته فى برنامجها «العاشرة مساءً» مرتين من قبل، أو الصحفى أحمد المسلمانى مقدم برنامج «الطبعة الأولى» الذى سبق له أيضاً استضافة زويل فى برنامجه،

إلا أن حلقة أمس الأول على قناة دريم خالفت التوقعات بعض الشىء حين فوجئ المشاهدون بالإعلامى محمود سعد يقدمها مع منى الشاذلى. وعلى مدار ثلاث ساعات وأربعين دقيقة، قدم الاثنان حلقة من امتع ما يكون مع هذا العالم، حتى لتظن أنه الظهور الأول له على الشاشة، متنقلاً فى الحديث بين قصة اختياره ضمن المجلس الاستشارى العلمى للرئيس الأمريكى «أوباما»، وأسباب رحلته فى المنطقة التى بدأت منذ عدة أسابيع كأول مبعوث علمى أمريكى للشرق الأوسط،

مؤكداً الفارق بين مشروعه العلمى لمصر الذى دعا له منذ نحو ١٢ عاماً وبين ما تطرحه الإدارة الأمريكية، متحدثاً عن عام ٢٠٠٩ الذى يراه من أكثر الأعوام العلمية إثارة فى حياته بعد توصله للميكروسكوب رباعى الأبعاد، مؤكداً أن السير فى الزمن ممكن رغم ما يواجه ذلك من صعوبات، عارضاً تخوفه على مستقبل العالم العربى فى السنوات الخمسين المقبلة، مشدداً على أنه دون نهضة مصرية تقود هذا العالم، فلن تتحقق قوته العلمية فى المستقبل.

■ هل تحصل على أجر كبير من عملك مستشاراً علمياً للرئيس الأمريكى؟

- إطلاقاً، وهذه فرصة لشرح حقيقة الأمر، فأنا لا أحصل على أجر عن تلك المهمة وعندما أذهب للبيت الأبيض لابد أن أدفع قيمة غذائى، فالرئيس الأمريكى لا يملك أن يدعونى للغداء، أدفع ١٠٠ دولار حتى لا يحدث أى خلط بين مهمتى ووجودى هناك. والرئيس أوباما لا يستطيع أن يدفع لأحد.

■ هل هناك علاقة بين مشروعك الخاص ببناء قاعدة علمية فى مصر ومهمتك كمبعوث علمى أمريكى للشرق الأوسط؟

- لدينا مشروع قومى فى مصر وأنا حريص على تكوين قاعدة علمية تكنولوجية على المستوى العالمى، وهذا لم يبدأ اليوم ولكننى بدأته مع الدكتور الجنزورى قبل حصولى على جائزة نوبل، ولكن حدثت مشاكل بيروقراطية أعاقت إكماله. وبعد حصولى على نوبل اتصل بى الرئيس مبارك وهنأنى فطلبت منه لقاءه للحديث عن البحث العلمى فى مصر، وهو ما حدث، وتعاملت فى المشروع مع الدكتور عاطف عبيد، ولكن حتى عام ٢٠٠٧ لم يحدث أى شىء جاد، واتصل بى دكتور هانى هلال، وزير التعليم العالى، لتجديد الأمر وقلت له إننى على استعداد لأن أكون عضواً فى المجلس الأعلى للعلوم بشرط أن نبدأ،

فمنذ عام ٢٠٠٧ وحتى يومنا هذا لم يحدث تقدم ولكننى مُصر على تنفيذ الحلم. أما قصة لختيارى ضمن مجلس المستشارين العلميين للرئيس الأمريكى فقد بدأت فى أبريل الماضى حين اتصل بى البيت الأبيض لإبلاغى أن الرئيس الأمريكى يبحث عن شخصيات علمية للعمل معه كمستشارين من خارج الحكومة لمنحه أفكاراً جديدة، على سبيل المثال معى فى هذا المجلس رئيس شركة جوجل، وشخصيات فى الدفاع القومى، وآخرون فى علوم الفضاء.

■ قالوا عنك فى التعريف الذى جاء فى خطاب اختيارك لشغل هذا المنصب: «هو مصرى أمريكى واسع الاحترام ليس فقط لعلمه ولكن لأنه صوت العقل والمنطق».

- هم يبحثون عن شخصيات تساعد الفكر الجديد، وأنا مهتم على مدار السنوات العشرين الماضية ليس بالعلم فقط ولكن بالبشرية كلها، خصوصاً فى مصر وهم يعرفون ذلك وقلته للرئيس الأمريكى أوباما فى لقاءات ناقشنا فيها قضايا عالمية خاصة بأمريكا لكن ذات تأثير على العالم كله. وعندما جاء الرئيس أوباما وألقى خطابه فى جامعة القاهرة سعدت لأنه تكلم عن هذه الرؤية وعما قدمه المسلمون للعلم والتكنولوجيا فى أمريكا، وأوضح أنه يريد أن يرسل مبعوثين للشرق الأوسط والعالم الإسلامى لبحث نشر العلم،

وبعد عودته اجتمع بالمختصين وطلبوا منى أن أساعد فى منطقة الشرق الأوسط، ولو لم تكن هناك قاعدة علمية من الأساس فلا يمكن تحقيق شىء. أمريكا تستطيع أن تساعد فى الناحية العلمية عبر إرسال خبراء وأجهزة تكنولوجية متطورة واستقبال بعثات. وأقولها إننا لن نستطيع تكوين علم على أساس راقٍ إلا من خلال علاقة مع تلك الدول لكن يجب التركيز على المشروع القومى العلمى المصرى.. وكونى مستشاراً للرئيس الأمريكى فهذا لا علاقة له بهذه الجزئية.

■ قلت إن المشروع لن تقدمه أمريكا إلا للدول التى تمتلك قاعدة علمية؟

- نعم لابد أن يكون هناك استعداد فى البلد لبناء قاعدة علمية من أجل مستقبل أولادنا، أستطيع أن أذكر بلاداً عديدة يقوم كل اقتصادها على التكنولوجيا المتقدمة، على سبيل المثال كنت فى تركيا وحتى بداية القرن العشرين كانت دولة زراعية، والآن هم يفخرون بتراجع العامل الزراعى وتقدم العامل الصناعى.

■ التقيت رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان.. ما الذى جرى فى اللقاء؟

- هناك شخصيات فى حياتى تشكل نقاطاً فعالة أعتقد أننى سأكتب عنها فى يوم من الأيام، لأنها تمتلك الرؤية والبصيرة لبلادها، ورجب أردوغان واحد من هؤلاء.. استمر لقائى به على مدى ساعة ونصف، وهو رجل واسع الأفق ولديه خلفية رائعة، فقد درس فى الدين والقانون وعمل عمدة لإستانبول، وأول شىء فعله بعد توليه منصب رئيس الوزراء هو النظر فى ما ينفق على التعليم والبحث العلمى فى تركيا، ورأى أنه ضئيل للغاية وقرر مضاعفة الإنفاق على هذا المجال ١٠ مرات ليصل إلى ١% من ميزانية تركيا.. يريد أن يصل به مع نهاية ولايته إلى ٢% مثل أمريكا وأوروبا.

الأتراك بنوا مدينة للمعرفة، اشترك فيها القطاع الخاص وهى الفكرة التى كنت طرحتها فى مصر منذ سنوات، أخذوا مدينة خارج أنقرة وأنشأوا مؤسسة علمية، وقام رجل أعمال تركى بوضع ثروته كلها فى تلك المؤسسة بشرط ألا يكون للحكومة أى دخل فيها، وبدأت الحكومة التركية فى ذات الوقت إنشاء مؤسسات علمية يُعفى المواطن المشارك فيها من سداد الضرائب. وقد نجح مجلس الأمناء فى الوصول برأسمالها إلى ٢ مليار دولار لأنه كانت لديهم صناعات وأعمال فى المقاولات والتشييد.. وهم الآن يتولون بناء مطار الدوحة الدولى فى قطر..

بمعنى أنهم قرروا إعفاءً ضريبياً لبناء القاعدة العلمية فى تركيا وقد التقيت هناك شباباً رائعاً من أعضاء هيئة التدريس، وشاهدت ما قدموه من أبحاث علمية.. خلال ١٠ سنوات صارت تركيا على الخريطة العلمية.

■ كيف تتكلم بهذا الهدوء، فيما يشعر الكثيرون بالحنق على أننا لم نحقق ما بدأته تركيا؟

- أنا متفائل وقلت هذا فى أغسطس الماضى بمكتبة الإسكندرية، فمن خلال دراستى للتاريخ ومن رؤيتى الخاصة وما اكتسبته فى حياتى، أقول إن أهم عامل لنهضة الأمم هو الطاقة البشرية، ومصر غنية بالكنوز، وأرفض ما يقال إن علماءنا لا ينجحون إلا فى الخارج.

■ إذاً البشر ليسوا عبئاً على الدولة كما يقول البعض؟

- لا لكننا لا نعرف كيف نستغلهم. كثيراً ما أسمع ما يتردد عن المثقفين وتراجع دورهم فى مصر ولكن هناك صحوة أدبية وصورة رائعة مثل فاروق جويدة فى الشعر، وعلاء الأسوانى وبهاء طاهر والغيطانى فى الرواية، وأنا أتردد على المكتبات وأزورها مثل مكتبتى الشروق ومدبولى، ووجدت إنتاجاً رائعاً، وفى نفس الوقت ذهبت لمكتبة لن أذكر اسمها ومكثت فيها ساعة لأرى المستوى الثقافى وأعرف ماذا يكتب بقية الناس فوجدت عناوين لكتب غريبة كتبتها،

منها: «مبروك لولو حامل» و«اعمل عبيط» و«الإنسان أصله جوافة». عندما يقرأ الفرد مثل هذه العناوين فلابد أن يشعر أن هناك خطأ ما. مصر فيها كنوز علمية مثل دكتور محمد غنيم ودكتور أحمد عكاشة، حتى الخارجية التى يوجه لها البعض انتقادات فى مستوى أدائها، لكننى أقابل فى أسفارى الكثير من الدبلوماسيين المصريين الرائعين. مصر عظيمة بناسها وأرفض ما يقال عن أننا فى حالة ضياع.. نحن فقط بحاجة لنظام ورؤية.

■ حصلت على نوبل فى الكيمياء الفيزيائية. وأذكر أننا أخذنا فى دروس العلوم فى الثانوى مصطلح «أنتروبى» وكانوا يقولون لنا إنها تعنى ببساطة أن المادة عندما تكون عشوائية المصدر تنتج عنها طاقة ولكن لا يمكن استخدامها. لو طبقنا هذا مع ما يشهده المجتمع الآن بعد الفوز بكأس الأمم الأفريقية فهل نستطيع القول إنها فرحة عشوائية لا يمكن استغلالها؟

- هناك قانون فى الطبيعة يعتبره علماء الفيزياء من أهم القوانين، وهو القانون الثانى، وقبل تعريفه أتحدث عن القانون الأول الذى ينص على أنه عند تحويل طاقة من مادة لمادة فإن الناتج يجب أن يكون متساوياً. بمعنى إذا كان لديك ١٠ جنيهات فلن تستطيع الشراء إلا بهذا المبلغ. أما القانون الثانى وهو من أعظم القوانين التى تحكم الطبيعة، فيرى أن كل شىء له منظومة ومنظم ينتهى إلى فوضى. نكون صغارا ونكبر ونشيخ ثم نموت، ومكعب الثلج ينتهى بالذوبان إذا تركناه.

وقانون الإنتروبى يقول إنه لو لم يتم إيجاد قوة خارجية لأى قوة أخرى ستحدث الفوضى. اللمبة تمنحنا ضوءاً لكن فى حالة فوضى، على عكس الليزر الذى تمت السيطرة عليه، ولذا لا يستطيع الانحراف لأنه يخضع لقانون فينتج قوة خارقة. وعندما قال الشاعر فاروق جويدة إننا بحاجة لحكم عسكرى، ثار البعض ضده، ولكنه كان يعنى وجود كيان حازم لمنع الفوضى. ولذا فالدولة القوية يجب أن يكون بها قانون ودستور ويتم الالتزام بهما. ومن أجمل الأمور التى يمنحها لنا العلم بجانب الاكتشافات أنه يمنحك القدرة على التفكير فى المنظومة الكونية.

ولتحقيق الدولة الحديثة فإنك بحاجة لبعض الأمور «دستور واضح - رؤية - تعليم وثقافة». والتعليم من أهم المشاكل التى تواجه مصر والعالم كله، أما الثقافة فتأتى من إعلام جيد ومؤتمن يكون له هدف واضح. وأرى أن الإنسان لكى يكون مثقفا فعليه أن يتسلح بثقافته وجذوره.

■ ترى أن التعليم يصنع المعجزات ويستطيع أن يقلب كيان بلد فى عدد قليل من السنين؟

- هناك نوعان من التعليم: أكاديمى وثقافى، والتعليم الأكاديمى لا يمنحك فقط المعلومات عن التاريخ والحساب ولكن المفترض أنه يمنحك القدرة على التفكير، لأن ما ندرسه لن يعبر عن كل المشكلات التى نواجهها، لكن لو تعلمنا الأسلوب الصحيح فسيساعدنا على حل ما يطرأ علينا. الآن فى الإعلام أى شخص يمكنه الظهور واعلان فتوى فى أى مجال، ولكن العلم يقول لك اجمع المعلومات وادرسها قبل أن تصدر فتواك. وهذا هو الأسلوب العلمى الذى يؤدى فى النهاية إلى نهضة حياتية.

■ تتكلم عن العلم أم الأخلاق؟

- عن كليهما فعندما يسود الأسلوب العلمى تتحدد الاخلاقيات فى المجتمع، فى الخارج لا أحد يعلو صوته ولا يلقى بالقمامة فى الشارع، لماذا ؟ لأنه تعلم ذلك فى المدرسة.

■ أنت تبسط شرح العلوم إلى حد أنك قدمت شرحاً للحبل الجينى على موسيقى أم كلثوم فى إحدى محاضراتك.. كيف تفعل ذلك؟

- تبسيط العلم ضرورة بشرية، سمعت منذ شهر عن اكتشاف سيسبب نقلة علمية لم يشهدها العالم من قبل، ذات علاقة بالحبل الجينى للإنسان الذى يساعد فى إيجاد تبرير لصفات الإنسان وما يقوم به من تصرفات، والكتاب الجينى الخاص بكل منا يوجد به نحو ٣ مليارات حرف تحدد صفات كل منا، وبات العلماء يعرفون على سبيل المثال الجين المسبب لسواد العين، ولكل منا خريطة جينية تعرف باسم «الجينوم»، وهو ما يساعد على علاج الأمراض بمعرفة الجين المسبب للسرطان على سبيل المثال، ومكان وجوده على الحبل الجينى وبالتالى تستطيع علاجه أو حذفه.

وعندما تم الإعلان عن الجينوم فى عهد كلينتون منذ ١٠ سنوات كانت معرفة الفرد لخريطته الجينية تتكلف أكثر من مليار جنيه، الآن تتكلف عدة آلاف من الدولارات عبر عينة من دمه. والعالم «أريك لاندر» أحد أعضاء المجلس الاستشارى للبيت الأبيض يعمل الآن على اكتشاف المناطق الموجودة على الحبل الجينى وكنا نطلق عليها مناطق فارغة لا تأثير لها، ولكن اكتشف أنها مهمة جداً للظواهر الإنسانية مثل قدرتك على التفكير، والضمير من عدمه.

■ هناك صراع قديم بين علمى الوراثة والاجتماع فى قضية الضمير، هل يتحدد الضمير بالجينات أم بالنشأة والبيئة؟

- يتأثر الضمير بالجينات ولكنه يرتبط بالوعى ولا يتحدد وفقا لجين واحد ولكن عبر أكثر من جين، قد يكون هناك شقيقان لديهما نفس الجينات الوراثية ونفس النشأة ولكن أحدهما عدوانى والآخر متسامح، وهنا تأتى أهمية الخريطة الجينية ودراستها التى لن تمنحنا تفسيرات فقط ولكنها ستحدد حتى طريقة التفكير التى تتبعها. وعبر الخريطة الجينية يمكن معرفة نقاط الضعف فى بعض الشعوب أو نقاط القوة لديها.

■ إذاً لا شىء اسمه الصفات المكتسبة كلها جينات موروثة؟

- هذا سؤال مهم ولكن لو ضربنا مثالاً بشقيقين نشأ أحدهما فى الصحراء والآخر فى مدينة، فإنه ورغم الجينات الوراثية لديهما فإن كلاً منهما سيتأثر بالبيئة التى نشأ فيها، حتى التلوث له تأثير على الفرد.

■ هل نستطيع التأثير على الجينات؟

- هناك أبحاث على موضوع التأثير فى الجينات لعلاج الأمراض، مثل ألزهايمر حيث نستطيع تحديد الجين المسبب له من يوم المولد ثم نحقن الجين عبر الخلايا الجذعية أو كيماويات معينة تجبر الجين على عدم النمو.

■ تعاملت مع أطفال فى عمر ٧ سنوات كيف شرحت لهم حديثك؟

- كان هذا بعد حصولى على نوبل شعرت بالقلق لكننى نفذت تجربة ونجحت، أخذت معى كوب ماء ووضعت به مكعب ثلج، وجعلت الساعة تسير وطلبت منهم أن ينظروا للساعة وهى تسير، ويتابعوا مكعب الثلج، بمرور الدقائق تلاشى الثلج وذاب فى الماء، فأخرجت ١٠٠ دولار من جيبى ووضعتها على المكتب وسألتهم من منهم يستطيع العودة بالزمن للوراء لنحصل على مكعب الثلج؟ مانحاً الـ١٠٠ دولار لمن يعرف. بالطبع لم يعرفوا ولكننى نجحت فى جذب انتباههم.

■ أشرت لتعليمك فى الخمسينيات والستينيات وأنه كان أفضل.. هل أنت مع مجانية التعليم؟

- تعلمت فى مصر فى مدرسة حكومية كانت تمنحنا العديد من الخبرات إلى جانب الدراسة، عبر رحلات وممارسة الهوايات، ودعونى أقل إن فطرة عبدالناصر رغم عداء الغرب له جعله يقدم تعليماً جيداً وقومياً ويمنحنا الأمل من خلاله، كان لدينا السد العالى ومفاعل أنشاص. جعلنا نعيش فى مصر البناءة، ورغم أننى سافرت فى نهاية الستينيات إلا أننى كانت لدىّ الفطرة وهى التى جعلت ارتباطى بمصر جينياً،

وأنا استفدت من مصر ليس فقط فى التعليم ولكن فى الأسرة العائلية وأسرة المدينة والأصدقاء والزملاء فى الجامعة ومناقشات الحياة والثقافة فى قطار دمنهور - الإسكندرية، وقتها كان لدينا حلم قومى، لما يكون عندك إرادة لمشروع قومى وشعب مقتنع بك تستطيع أن تبنى أهرامات جديدة. عبدالناصر كأى حاكم له مميزات وعيوب، ولكنه كان وطنياً ونزيهاً وشريفاً وصنع عزة العرب فى تاريخهم الحديث، الشىء الوحيد الذى كنت أتمنى أن يرسيه هو الديمقراطية ليس فى مصر وحدها ولكن فى العالم العربى كله، ولكنه ضيع فرصة بلاتينية لتحقيق هذا الأمر، كان صديق نهرو الذى أسس الدولة الحديثة فى الهند على العلم والديمقراطية.. اليوم الهند ثانى دولة فى العالم فى التنمية والتكنولوجيا.

■ ما هى الدول التى نجحت فى استغلال العلم والتعليم لتحسين ظروفها؟

- الصين تمثل اليوم أكبر معجزة علمية واقتصادية، وقد زرتها مرتين خلال ١٠ سنوات ولا توجد مقارنة بين كليهما، يكفى أن معدل نموها الاقتصادى يتراوح بين ١٠% و١٢% بما يعنى أنها أعلى من أمريكا، اعتمدت فى تحقيق نهضتها على التعليم وباتت تصدر أفضل طلبة الدكتوراه فى العالم، مجموعتى ٥٠% منهم صينيون، وقد اهتمت فى السنوات الأخيرة بالتعليم وأنشأت العديد من المراكز المضيئة للبحث العلمى التى نتلهف فى الولايات المتحدة على من يأتى منها.

■ أيهما يأتى فى البداية إصلاح سياسى وديمقراطية أم ديكتاتورية صاحبة رؤية؟

- هناك ٣ طرق لتحقيق التطور، إما أن تكون لديك ديمقراطية واضحة، الشعب يختار الحاكم الذى قد يكون جيداً أو سيئاً، ولكن الدولة تظل كما هى لأنها دولة مؤسسات، أو ربنا يكرم الأمة بقائد ملهم لا ديكتاتور، لديه رؤية يلهم بها الناس من حوله ويختار أفضل القيادات لتحقيق التنمية مثل تركيا وماليزيا، أو أن تكون أمة محظوظة يأتيها حاكم ملهم يطبق الديمقراطية ويحدد الهدف والرؤية.

■ دعنى أمثل وجهة النظر الحكومية، يقولون إن دكتور زويل يحمل مبادرات براقة لكنه لم يقدم آليات تنفيذها؟

- إذاً هم لم يقرأوا ما قدمت.. لا أريد الدخول فى هذا الموضوع، ولكن فى كتابى «عصر العلم» خصصت الفصل الاخير كله للحديث عن هذا الموضوع. وفى مدينة ٦ أكتوبر حجر أساس للمركز الذى كنت أتمنى إقامته. وأقول إنه لا يمكن إقامة قاعدة علمية بدون تصور أكاديمى محدد وواضح.

وقانون يتم تطبيقه دون بيروقراطية، وبنية أساسية لهذا المشروع العلمى، وكل هذا يمنح الناس الثقة فى مشروع الدولة العلمى من خلال قانون ونظام، لقد سألتهم فى تركيا عن سبب نجاحهم فى صناعة هذا المركز المضىء فأجابونى أن تلك النقطة دفعت عجلة الصناعة،

كما أن ١% فقط من الطلاب الأتراك هم من يذهبون للدراسة بها ويتم انتقاؤهم، أما البقية فتتعلم فى الجامعات الحكومية وهى مميزة هى الأخرى، ويتم عمل دورات فى الصيف لأساتذة الجامعات الحكومية فى المركز العلمى المضىء ليعودوا فى الشتاء ويدرسوا الجديد لطلابهم.

■ العام الماضى دعا الشاعر جمال بخيت لمشروع جامعة العلم ولكن لم يكتمل الموضوع؟

- المصريون يتبرعون ويساهمون ولكن يجب أن يعرفوا أين تذهب أموالهم، مصر ليست فقيرة، والمصريون مستعدون لعمل الكثير لو تم بدقة، ولذا يجب أن يكون هناك قانون يحمى المؤسسة ويحدد أوجه الإنفاق.

■ وأنت ترى العالم العربى عن بعد ما الذى تشعر أنه مقبل عليه؟

- العالم العربى ككل فى وضع صعب، العالم الغربى يضعنا فى سلة واحدة مع الدول الأفريقية. الأمية المعقولة تقدر بنسبة ٣٠% لكن بلداً مثل اليمن الأمية به ٦٠%،

كما أن العالم العربى لا يُذكر على خريطة العالم العلمية، أهم ٥٠ جامعة فى العالم لا يوجد بها جامعة عربية، الوضع السياسى مفكك، لا تجد منتجاً واحداً مستخدماً عالميا يتم تصنيعه فى العالم العربى الذى يبلغ تعداده ٣٠٠ مليون، وتلك هى الطاقة المهدرة. ولا يمكن أن يحدث التغيير فى العالم العربى إلا إذا كانت مصر مركز هذا التغيير لأنها صاحبة الثقل فى هذا العالم ولديها موارد بشرية هائلة.

الاثنين، 25 يناير 2010

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود - الحلقة (١٦): قول أخير فى السادات: بطل حقيقى وزعيم شجاع

■ عندما يتعلق الأمر بما يسمى الأمن القومى يجب أن نعطى العيش لخبازه.

■ استطاع السادات- للأسف- تكوين أمن قومى خارجى، وفى سبيل ذلك أهدر مساحة كبيرة من الأمن الداخلى.

■ كان يتمنى أن يشعر بالأمان بعد أربعين سنة مؤامرات.

■ آمن بأن الجيش وطلبة الجامعة أبناؤه.

■ مارس السياسة طالبا وعسكريا وثورجيا ورئيسا ولاعب الجميع على الحبال.

■ لاعب إسرائيل على الحبال وجابها «أكتاف» واستطاع أن يخدعهم.

■ عرف العالم من خلاله مكانة مصر .

مصطفى محمود

مشكلة قابلتنا معه.. يمتلك ملايين الأفكار.. بحار علم.. طوابير ذكريات.. ومع ذلك خجول إلى أبعد الحدود.. خجول فى التحدث عن نفسه خصوصا فى الفترة التى جمعته فيها صداقة بالرئيس السادات والتى قال عنها الجميع إنها العصر الذهبى لمصطفى محمود.. وهما من أكثر الشخصيات التى أثارت الجدل فى مصر الحديثة.. مصطفى محمود بأفكاره العلمية الدينية وشطحاته المعرفية الأدبية، والرئيس السادات بشطحاته السياسية العسكرية.. الدكتور مصطفى محمود يقول كلمة الحق فى وجه الشخص وفى حضوره لا يتوارى خلف جدار أو ستار.. رغم كل ما سببه ذلك له من معاناة لسنوات.. ولكنه يرى أن التاريخ يكتب دون صدق.. الجميع ينسب لنفسه الفضل.. ويقول عن أهواء.. وأهداف خاصة.. الكل يرى نفسه الصانع الحقيقى..

لذلك لم يرغب كثيرا فى التحدث عن السياسة التى عاصرها وأثر فيها.. تكلم عن السياسة عندما كان مستهدفاً.. لكنه لا يرغب فى التحدث عن السياسة بعد أن تبوأ مكانة مرموقة فى المجتمع وجمع ألقاباً عدة مثل: رجل العلم والإيمان وفيلسوف الشرق.. لم يرد أن يذكر مثلا فى الحديث أن رؤساء الدول العربية ناشدوه أن يقطن عندهم ويعلم أبناءهم وشعوبهم.. بل يعلم علماءهم!! لم يرد أن يذكر الكم الهائل من الإغراءات التى لاحقته بأن تقام له برامج ودور نشر ويحصل على ملايين من العملات المختلفة، وذلك منذ أكثر من ثلاثين عاما.

.. وأراد أن ينهى الكلام عن السادات وعلاقتهما الشهيرة فقال: لا تأخذوا عنى رأيى فيه لأنى أخبرتكم المرة السابقة بأنى أحببته بحق.. ومثلما رفضت الرئيس السابق أيدته وأعلنتها.. رأيى سيكون منحازاً بالكامل.. هل تعلمون أنى فى ثورة التصحيح كتبت أنها خطوة لا تخرج إلا من شخصية مثل السادات؟.. فمن كان سيتعامل مع إضراب مراكز القوى بمثل هذا الدهاء؟!..

دهاء السياسى المحنك.. ثورة التصحيح خطواته فيها مثلها مثل خطواته التى وصل بها للحكم بالضبط.. وأنا أخبرتكم عنها بالتفصيل، وكيف أن السادات، وهو أشهر رجال الثورة قبل حركة يوليو، وجد أن الصراعات الداخلية بين رجالها قد وصلت لذروتها حتى إنها فرقت بين أعظم صديقين بينهم ناصر وعامر.. وكيف أخذ حقه بالابتعاد عن ميدان الصراعات تماما.. فقد رأى أن المباراة مكتفية العدد، والنتيجة الحتمية لكل من شارك فيها هى الخسارة.. الخسارة التى ستلحق أيضا بالحكم والمشاهدين..

وتوصل إلى أن الحل والموقف الأمثل هو عدم الخوض فيها والعمل بجد على تدعيم الثورة وتحقيق أهدافها بقدر استطاعته وهو فى منصبه- والذى لم يسع لأعلى منه- وفى جريدة «الجمهورية» على طول الخط، فكان غريباً جدا أن يحصل كل أعضاء مجلس قيادة الثورة وغير القياديين من ضباط الثورة على المناصب الرفيعة والقيادية والسياسية فى الدولة ويرتضى السادات منصبه المهمش فى جريدة الجمهورية، رغم كل ما كان يؤكده عبدالناصر من أنه منصب مهم وخطير، فـ«الجمهورية» هى لسان حال الثورة والمعبرة عنها، ومن يديرها يحتل منصباً خطيراً،

ولكن كان السادات يملك ذكاء يؤهله للخضوع للأوامر التى كان يريدها عبدالناصر يعرف بالضبط بعد أن تخلص من أعدائه من «الأسرة العلوية والإنجليز» من أعدائه الجدد الذين أغرتهم السلطة وأسرهم حب القيادة.. ففطن السادات إلى قواعد اللعبة الجديدة التى يطرحها ناصر ووافق على أن يخوضها بذكاء وليس بغباء مثلما فعل الآخرون، وكان تعبيره عن الرضا بإدارة جريدة الجمهورية هو ما أثار إعجاب عبدالناصر..

وكان كل يوم يزداد إعجابه بولاء السادات وخضوعه «الذى يفهم اللعبة كما قلت» فأراد أن يكافئه فاختاره ليكون الرجل الثانى فى الدولة فى وقت كان عبدالناصر أطاح بكل من حوله من المعارضين لسياسته الفردية وكانت سياسة السادات هى نفسها ما سعى إليها مع مراكز القوى التى ظنت أنها فى عهد عبدالناصر كانت مراكز قوى.. وستظل فى عصر السادات كذلك، ولكن اتضح لهم أنهم فى عهد السادات مراكز توحش، فمارس معهم نفس سياسته ونجح فعلا فيما أراد وتحقق مراده.. وأنتم تعرفون الباقى..

وعندما كتبت أنها خطوة لا تخرج إلا من رجل كالسادات قرأها وفى أول اتصال بيننا بعد هذا المقال أيدته على هذه الخطوة، وعلى قبوله لهذه الاستقالات الجماعية.. بالمناسبة أنا لم أعتد الكلام معه فى تفاصيل قراراته.. أحيانا كانت هناك تساؤلات تلح علىّ ولا أريد أن أشغله بتفاصيلها.. «يغوص مصطفى محمود فى موجة من الضحك»

ويقول: لأننا أحيانا كان يشغل جزءاً كبيراً من جلساتنا الكلام فى الأمور الصوفية والأضرحة وكيف يعمل على تطوير ضريح السيد البدوى بطنطا وهو مشغول بأمور عسكرية وسياسية على الصعيدين المحلى والدولى، وكان يفاجئنى بثقافته الكبيرة والواسعة فى مجال قراءته لكبار الصوفية مثل ابن عربى والحلاج وعفيف الدين التلمسانى والإمام الغزالى وكيف أن مناجاة الإمام النفرى لربه كانت تؤثر فيه حين يقرؤها.

ولأنه يختلف عمن سبقوه سواء الملوك أو الرؤساء فأحيانا كان يلح على «السادات» خاطر أن يخرج بسيارته دون موكب وهو ما كان يعترضه طاقم حراسته.. فكان يحتال عليهم ويخرج بسيارة صغيرة مصرية الصنع.. وكان يحب أن يجلس على «مقاهى» على الأطراف بحيث لا يعرفه أحد، وأذكر هنا موقفاً حدث لنا فى قريته بميت أبوالكوم،

ولأنه لا يذهب إلى أى مكان إلا بحراسة مشددة فإنه ذات يوم ارتدى الجلباب البلدى وأمسك بعصاه، وخرجنا نتجول بعد صلاة العشاء بأحد الحقول المجاورة للمنزل، فأخذنا الحديث أثناء السير ولم ننتبه إلا ونحن على مسافة حوالى ساعة ونصف الساعة من البيت وما كان منه إلا أنه عاد فى نفس الطريق مشياً على الأقدام،

وما إن اقتربنا من المنزل حتى تنبه أحد «الغفر» بأن هناك خطوات أقدام تقترب من البيت داخل الحقل من الخلف وكان الظلام دامساً، فقام برفع السلاح وهرول إلى مكان الصوت ورفّعه وقال له: قول إنتا مين يا إما هطخك بالنار، فضحك الرئيس السادات فردد «الغفير» ما قاله مرة ثانية فقال له الرئيس السادات «أنا محمد أنور السادات» فارتبك الغفير وارتمى يقبل يده حتى يسامحه، فضحك الرئيس السادات بشدة وهو يمنعه من أن يفعل ذلك وهدّأ من روعه وكافأه على ذلك.

وتنهد مصطفى محمود تنهيدة طويلة وقال: لأن السادات كان يقدر الفكر فأراد أن أنشر كتاب «الله والإنسان» مرة أخرى.. وقال لى بضحك «ماتخافش مش هاكفرك.. وهاوصى المشايخ عليك».. ولكنى كنت فى ذلك الوقت قد غيرت بعض أفكاره.. فرفضت وقمت بنشر كتابى (حوار مع صديقى الملحد).. أحيانا كان يتناقش معى فى كتاباتى- كان يوفر من وقته أى جزء من يومه ليقرأ وأحيانا يكتب- ولكن أعظم حدث فى حياتى ارتبط السادات به هو برنامج «العلم والإيمان»..

كان مولد البرنامج بتشجيع منه، خططت لمشروعى الكبير وأزهقت فى التخطيط له آلاف الساعات وأردت أن أبدأه.. كان السادات يزهو كثيرا بلقب رئيس دولة العلم والإيمان- الذى أطلقته عليه- فأراد أن يكون هناك شاهد حى على دولته وعصره.. وكانت للبرنامج الذى التفت حوله الأسر العربية جميعا طوال أربعين عاما، قصة ملحمية نرويها فى الحلقات التالية.

لم نكن نرضى أن نأخذ شهادة فيلسوف الشرق، الدكتور مصطفى محمود عن عصر السادات- صديقه المقرب- دون أن نسأله عن عدة نقاط لم يفسرها التاريخ وظلت مبهمة.. سألناه عن الشيخ الذهبى.. فقال: فى بداية إنشائى مسجد وجمعية محمود الخيرية الإسلامية كنت أدعو بعض المشايخ ليخطبوا فى المسجد.. كانت شوارع ميدان مصطفى محمود فارغة فى البداية، وكان المسجد يمتلئ ويصلى الناس أمام فى تجمع هائل.. أحيانا كان الخطيب من أمثال الراحل الشيخ كشك، الذى دعوته أيضا لإلقاء خطبة فى المسجد لمرة واحدة فقط.. وهو ما كان يدفع الأمن إلى محاصرة المسجد- كالعادة- وفى أحيان كثيرة كان الخطيب الشيخ الذهبى، وزير الأوقاف، واغتيل الشيخ الذهبى..

وكانت صاعقة لاجتماع كل الجهات عليه، بين يوم وليلة ذهب الذهبى- رحمه الله- وهو ما دفعنى إلى التساؤل كثيرا.. من قتله؟؟ واكتشفت أنى لست وحدى من يبحث عن إجابة.. وانتظرت طويلا حتى حانت الفرصة لأسأل الرئيس: ما حل اللغز؟.. وما صدق الروايات التى قيلت على لسان ابنته أن من اختطفوه كانوا من أمن الدولة؟..

وانتظرت متسائلاً فى نفسى: ألا يرغب رئيس الدولة فى اختراق الموضوع؟ لكنه قال بحزم: يا مصطفى الشيخ الذهبى كان راجل الدولة.. وكان شيخ الناس.. «أنا كنت باحبه يا مصطفى.. أقولك على حاجة.. إنت عارف أنا ليه ما عدتش بحب العيال بتوع الجماعات دول.. عشان هما قتلوا الشيخ الذهبى- الله يرحمه».

وسألناه أيضا عن موقفه من معاهدة السلام مع إسرائيل.. فأطرق برأسه إلى الأرض وصمت.. صمت كثيراً.. واحترمنا صمته.. وأخيرا أجاب بجملة واحدة: موقفى تجاه أهل صهيون واضح.. وما قلته للسادات فى ذلك الأمر بالرغم من أن السلام مع إسرائيل خطوة لا يستطيع أحد أن يقدم عليها غيرك وأعلم أن هؤلاء الإسرائيليين لا يوفون بوعد أو عهد ولكن هذه خطوة تحسد عليها ووفقك الله فى نواياك.

وقال أيضا مصطفى محمود وهو يلوح بكلتا يديه: الرئيس السادات شهد عصره أيضا فترة الفتن الطائفية، وحدثت أيامه أحداث الزاوية الحمراء.. وتلاحظون أننى فى هذه الأيام خرجت من هذه الضوضاء.. فلكى تتفرغ للعلم والإيمان سواء كان البرنامج أو الحياة.. ستجد أن تفاصيل الحياة تسقط منك.. الحقيقة تقال هنا أنا كنت مستشار الرئيس الصديق، بمعنى أنى كاتم أسراره..

والجميع أخذ على «السادات» لماذا أجّل مواجهة أئمة وأمراء الجماعات الإسلامية التى نشطت إبان أزمة الزاوية.. ولكنى تعلمت من الرئيس هنا درساً لا ينسى، تعلمت أنه عندما يتعلق الأمر بما يسمى الأمن القومى يجب أن نعطى العيش لخبازه.. والسادات كان داهية- بحق- مارس السياسة طالبا وعسكريا وثورجيا ورئيسا، لعّب الكل على الحبال.. لاعب إسرائيل على الحبال «وجابها أكتاف».. ضحك عليهم وعرف العالم مكانة جزمة مصر على رقبة مين، والولايات المتحدة اللى كانت متأخرة على النظام السابق وبتترسم عليه.. مش هم اللى فتحوا أحضانهم للسادات وخلوه أعظم رجل فى العالم وتصدرت صوره بزى الجنرالات صفحات «التايمز» الأمريكية، ونيكسون قال إن السادات رجل القرن، وجولدا مائير قالت «السادات ثعلب العرب»..

هذا هو السادات.. بيلعب على جميع الجهات اللى فى العالم، ولعب بأسلوبه.. يعنى ضرب.. وعوّر.. واترمى ع الأرض ورفع إيده على عينه وعيّط.. والعالم صعب عليهم السادات وأعطوا لإسرائيل مهلة لغاية ٢٥ أبريل عشان تنسحب من سيناء كلها.. يقوم العيال بتوع الزاوية دول يولعوها.. السادات قالى لو واجهتهم دلوقتى إسرائيل هاتتأكد إن الأمن القومى من الداخل مش موزون وستتراجع عن الانسحاب.. وهو ده اللى أنا كنت خايف منه.

السادات طلع عبقرى أمن قومى.. لكن للأسف أمن قومى خارجى، يعنى عرف يحمى مصر من الخارج، بس عشان يوصل لكده ضحى بمساحة من الأمن الداخى للبلد، وكان يتمنى أن يشعر بالأمان بعد أربعين سنة مؤامرات.. وكان الجيش وطلبة الجامعة أبناءه.. وكان هو كبير البيت أو العيلة زى ماكان بيقول بجد، وزى ما قلنا قبل كده إن السبب فى انهيار صورة السادات كان مجموعة صحفيين من المقربين له.. لأنه لم يكن مركزاً مع الداخل مثل الخارج.

وعن البابا شنودة- صديق الدكتور مصطفى محمود- وخصم الرئيس السادات.. قال البابا شنودة صديق وأخ، والسادات صديقى الأقرب، لكن المشكلة أنى من داخل الأحداث أؤكد أن الاثنين موغور صدرهما بمعنى أن الرئيس كان فى جلسة غداء يوم الجمعة الشهير الذى يقابل فيه بعد صلاة الجمعة فى ميت أبوالكوم طوب الأرض، ولكن كان يغضب بشدة ويثور حينما يسمع اسم البابا شنودة الذى كان بدوره غاضباً بشدة من أخبار كاذبة تصله من مطرانيات الجنوب حول بعض الضغوط على مسيحيين فى الأقاليم فكان الموضوع «عناد مش أكتر»..

على الرغم من أن معظم القضايا التى تظهر تحت مسمى فتنة طائفية بتكون مواضيع صغيرة وبسيطة وممكن هايفة.. ولكن تسيس.. يعنى مثلا بنت مسيحية وقعت فى حب ولد مسلم وأهلهم اكتشفوا هذا الحب يرفضوا هذه العلاقة ويسخنوا الموضوع عشان يمنعوا الحاجات دى تحصل.. وهكذا.

وأراد الطبيب العالم الأديب الفيلسوف مصطفى محمود أن ينهى حديثه عن السادات.. لكننا لم نكن نرضى إلا بالكشف عن شىء جديد فى أحداث المنصة.. وكانت النتيجة مدهشة فعلا.. تكلم بضحك وسخرية وصوت مخنوق أقرب للبكاء.. ضحك لأنه كشف عن شىء جديد كنا أول مرة نسمع عنه هو أن السادات دائم التعرض لمحاولات الاغتيال من قبل حادث المنصة..

فمن المرات المضحكة التى رواها أن الرئيس تعرض لمحاولة اغتيال تورطت فيها دولة عربية عن طريق قناص محترف بواسطة بندقية تليسكوب مقرب، وقد أحبطت هذه العملية القذرة من دولة عربية شقيقة.. المضحك فى الأمر أن هذه العملية كان اسمها (جون كيندى).. وقد جرت محاولة أخرى لاغتيال الرئيس فى أحد المؤتمرات بالنمسا.. ومحاولة غيرها قام بها رجل مخابرات عراقى عن طريق رشوة سائق السادات الخاص، وكلها أحبطت بنجاح الأجهزه الأمنية، لأن الوضع- كما قيل- أن السادات كان «مركِّز قوى» مع الجبهات الخارجية..

بينما كان مطمئناً، شيئا ما، إلى الجبهة الداخلية التى كان يعتبرها مجرد تمرد أبناء على أب حريص دائما على تقديم المصلحة لأبنائه الذين لا يدركون تلك المصلحة.

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود - الحلقة (١٥):أنا والسادات.. والجماعات الإسلامية

■ قلت للسادات.. أتمنى - بصفة شخصية - أن أضيع عمرى فيما يعلى من صورة الإسلام الصحيح.

■ الإسلام أكبر من السؤال عن طول الجلباب واللحية والسواك سُنة ولا لأ.

■ ليست القضية أن نعرف من صنع الجماعات الإسلامية.. فنحن نرى فصائل الجماعات تقف وتهزم وتحرج أعتى قوة فى العالم .

■ هل من يساعد فى نهضة الجماعات الإسلامية محب للإسلام.. أم يفعل ذلك لمصالح خاصة؟!

■ إذا قامت الجماعات الإسلامية بإنهاء تلك المصالح ستساعد فى تحضير عفريت كبير.

■ هى الجماعات دى مين بالضبط «إخوان ولا جهاد ولا سلف ولا قطبيين.. ولا إيه».

مصطفى محمود

«كان السادات يغمض عينيه فيرى المستقبل.. ونحن نفتح عيوننا ولكن نرى الماضى» المشكلة الحقيقية التى واجهت فيلسوف الشرق - الدكتور مصطفى محمود - كانت طبيعة علاقته بالسلطة - فكما ذكرنا فى الحلقة السابقة.. كيف انتاب الدكتور مصطفى محمود الارتياب بعد الحفاوة التى وجدها فى استقبال محمد أنور السادات له بعد احتلاله منصب الرجل الثانى فى الدولة كنائب للرئيس جمال عبدالناصر.. وخطر على باله السؤال الأهم فى هذه اللحظة.. كيف ستكون طبيعة العلاقة بينه وبين السلطة التى أذاقته الكثير خلال الخمسة عشر عاماً السابقة.. وهنا يمكن أن نطرح السؤال هل سعى مصطفى محمود إلى السلطة؟

والإجابة بالفعل لم يسع إليها بل سعى السادات للوصول إلى عقلية مصطفى محمود بعد أن اكتشف الاثنان فى بعضهما ألفة، ووجد كل منهما عند الآخر متنفساً، لذا فقد جاهد الدكتور مصطفى محمود لفض أى ارتباط بينه وبين السلطة.. رفض بلباقة أى منصب يقترب منه وصده بشياكة متعللا للسادات - بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية - بأنه ليس بقادر على منصب وزير أو أى منصب آخر، وهو الذى فشل فى إدارة أصغر وحدات المجتمع - أسرته - وقال بالحرف (كيف سأقف أمام الله وأتحمل حسابه على المهمة والسلطة الملقاة على)!!

أما عن أهم النقاط التى ركز فيها الدكتور مصطفى محمود وهو يسرد ذكرياته مع السادات فهى الحرية التى تفتحت أمامه.. ككاتب.. وأمام الكثير من الكتاب الآخرين وهنا يقول المفكر الكبير مصطفى محمود.. الحقيقة تقال.. عصر الرئيس السادات كان عصراً مزدهراً للمثقف والكاتب.. فكان للمثقفين والكتاب والمفكرين مساحة غير متوقعة من الحرية فى التعبير عن آرائهم المختلفة وهم الذين عانوا كثيرا من قبل..

ووصل الأمر بالبعض إلى الهجرة وارتضاء حياة الهجرة طوعا أو نفيا.. عادت الحرية للكاتب وعاد هؤلاء المشردون فى الخارج وخرج المعذبون من المعتقلات بعد أن ألقى الرئيس السادات خطابه الشهير بأن يمارس الجميع عمله فى حرية تامة وأن يسارع كل الكتاب المشردين فى شوارع باريس والدول الأوروبية بالعودة إلى الوطن وذلك بعد قيامه بهدم المعتقلات والسجون التى قال عنها إنه أكثر شخص يحتقر هذه الأماكن ويعرف عواقبها وأضرارها لأنه مازال يعانى من أمراض بالمعدة بسبب سوء الأطعمة التى كان يتناولها أيام اعتقاله المتكرر قبل الثورة أثناء اشتغاله بالعمل السياسى واتهامه فى قضية التخابر مع الألمان وقضية اغتيال أمين عثمان وغيرها..

وبينما كان الجميع يتناقش حول العهد الجديد واختلافه عن العهد السابق.. فى مناقشات لا تضيف.. كنت أنا أستمتع بالعهد الجديد على طريقة عهد السادات بالتأكيد.. فقد أخرجت كل ما دونته وكتبته ولم ير النور بسبب ظروف هذا العهد السابق.. وبدأت مرحلة الاستمتاع - ولأول مرة تذوقت طعم الحرية - وأعطيت هذه المسرحيات والكتب لتنشر أولاً - كالعادة - مسلسلة فى مجلة صباح الخير إبان فترة رئاسة الأخ الكبير عبدالرحمن الشرقاوى..

وأتذكر أننى تعرضت لموجة من اعتراضات صلاح حافظ وزملائه على نشر هذه المسرحيات فذهبت فورا إلى صديقى الدكتور عبدالقادر حاتم وزير الإعلام فى هذه الفترة وصارحته بالأمر فقال لى سوف أتصل بالرئيس السادات فقلت له لا نريد أن نزعجه، فقال لى سيغضب جدا إذا لم أبلغه بمشكلة تعوقك أنت بالذات، فهو يكن لك معزة خاصة جدا ودائما يردد هذا أمامنا فى مجلس الوزراء عندما تأتى سيرتك.. وعندما أعرضت أنا عن الاتصال.. قام الدكتور عبدالقادر هو بالاتصال بالرئيس السادات وكان وقتها يستجم فى استراحة القناطر وفور أن أبلغه عبدالقادر أبدى استياءه الشديد وقال بالنص (كل كتب وروايات مصطفى محمود وأعماله الأدبية تنشر فورا بصورة لائقة ومسلسلة فى صباح الخير)..

وبالطبع غمرتنى السعادة لعدالة وإنصاف هذا الرجل لى، واتصل عبدالقادر حاتم بعبدالرحمن الشرقاوى وأبلغه بأوامر الرئيس، ولكن يبدو أن عبدالرحمن الشرقاوى ظن أن هذا الكلام غير حقيقي، فلم يهتم بالمسرحيات فأبلغت عبدالقادر مرة ثانية لأننى كنت حريصاً أن تخرج أعمالى إلى النور فما كان منه إلا أنه -على الفور- حدد موعدا للشرقاوى فى مكتبه بجريدة الأهرام لمقابلته وبمجرد أن شاهدنى الشرقاوى فى مكتب عبدالقادر حاتم بالأهرام، أخذنى بالأحضان وقال لى رواياتك تحفة رائعة، وأنا سوف أنشرها داخل العدد القادم لمجلة صباح الخير..

وبعد يومين وكان اليوم بالتحديد الخميس ليلا.. وجدت اتصالاً من الرئيس السادات يسألنى ماذا لو صلينا غدا الجمعة معا.. ورحبت طبعا وأنا تغمرنى السعادة لبساطة هذا الرجل وفى العاشرة وجدت سائقه على بابى يسألنى هل استعددت.. كانت السيارة الخاصة بالرئيس.. السيارة الأولى فى الدولة.. وقد اندهش ابنى أدهم من هذا الوضع وحاول أن يسألنى عن هذا الوضع الغريب الذى لم يتعود أن يراه، ولكن كان من الصعب على أن أقول له إن هذه سيارة الرئيس السادات الخاصة.. تحملنى إليه لنتشاور فى قضايا تخص الدولة والشعب، فقد كان صغيرا.. وهذه سيارة الرجل الأول!! ولكنه عرف كل شىء بعد ذلك.

وذهبت متوقعا أن أقابل الرئيس فى قصره لكنى فوجئت بالسيارة تشق طريقها إلى بلدة السادات الأصلية بمحافظة المنوفية - ميت أبوالكوم - وصليت معه والحضور وسألنى عن أحوالى، ودخلنا على مائدة الغداء.. وضحك من نظامى الغذائى الحذر من أى طعام ثقيل على المعدة وسألنى بغتة.. إيه رأيك فى الجماعات الإسلامية يا دكتور؟؟ وايه رأيك فى الشغل اللى عاملينه فى الجامعات والمساجد؟؟

الإجابة كانت على لسانى.. أنا دائما لا تقف أمامى أسئلة من هذا النوع.. يكفى أن قضيت أربعين عاما من عمرى أفكر فى القضية التى أسأل عنها اليوم.. ولكن هل تكفى أربعون عاما للإجابة عن سؤال الحاكم الذى يصدر القرارات.. وصمت قليلا.. واحترم هو صمتى.. وأجبت بصوت منخفض ارتفع تدريجيا.. «الموضوع أكبر من السؤال اللى حضرتك بتسأله.. بمعنى.. الجماعات دى بتاعت مين.. يعنى هى صناعة إيه.. وحضرتك خير اللى عارفين إن احنا مابنصنعشى حاجه.. السؤال ده المفروض حضرتك تقسمه لعدة أسئلة.. أولها.. مين صنعها؟؟

مين صنع الجماعات دى.. حضرتك بتشوف فصائل الجماعات بتقف وتهزم وتحرج أعتى قوة فى العالم - يقصد أفغانستان القديمة أمام الاتحاد السوفيتى قبل سقوطه - واللى بيساعد فى قومة الجماعات الإسلامية دى عشان هو بيحب الإسلام.. ولا عشان مصالحه.. وإذا قامت الجماعات الإسلامية بإنهاء مصالحه وتنفيذ أجندته من غير ما يدرى هايكون حضر عفريت كبير..

والسؤال التانى الفصايل اللى عندنا فى مصر من أى الأنواع هل هو مصنوع أم منشق.. يعنى فى الأول والآخر هل هو بينه وبين الغرب أجندة أم لا.. وبعدين الجماعات اللى عندنا فى مصر دى مختلفة قوى ياريس.. يعنى يجبرونا نسأل سؤال تالت مهم قوى.. هى الجماعات دى مين؟؟.. إخوان ولا جهاد ولا سلف ولا قطبيين.. ولا.. ولا.. «وقلت له.. بصفة شخصية «يا ريس أنا أتمنى أى حاجه تخص الإسلام نجمها يعلى يعنى بصورة أوضح هو ده اللى المفروض أضيع عمرى عشانه بس هى المشكلة يا ريس إن احنا نتفق معاهم على معنى للإسلام..

وبعدين الإسلام مش هو اللحية وطولها إيه والسواك قبل الصلاة سُنة ولا طول الجلباب.. والبدل دى كفر ولا لازم الجلباب.. مش هو ده الإسلام اللى نساعد على نشره يا ريس.. الإسلام اللى نشيله فوق اكتافنا.. هو الإسلام الداخلى.. هو كرامة المسلمين.. ماينفعشى ياريس العالم كله قاعد يحتفى بالطيار اللى عطل رحلته ونزل من السماء عشان ينقذ قطة كانت مزنوقة فى المحرك.. واحنا المسلمين الملايين بيموتوا من الجوع والفقر كل يوم.. ويقوموا يطلعوا خنجر فى ضهرنا اسمه الجماعات الإسلامية»!!

اندهشنا.. واستمعنا فى ذهول لهذا الحوار التاريخى.. مصطفى محمود لخص مشكلة الإسلام والمسلمين وعلاقتهم بنا وعلاقة الغرب بالجماعات واختلاف الجماعات فى سبع دقائق.. لخص ما شغل كتاباً وصحفيين وساسة دول العالم الغربى والشرقى فى دقائق.. هل قلت هذا للرئيس السادات؟ نعم.. ولم يقاطعنى أو يشرد أو يضحك مع انفعالى.. فقط استمع.. واستمع بدون أن يقاطعنى.. أنا لم أنقل لكم الحوار بكل تفاصيله.. وكان هذا الموضوع هو الجرح الذى أثارنى.. حيث يتعلق بالإسلام والإسلام الجديد والمسلمين الجدد.. وأين إسلام الأزهر من كل هذه الجماعات.. وحال المسلمين وسط كل هذه الأحداث .

الحقيقة أننى عندما توطدت الصلة بيننا أحببته.. أحببت السادات.. وأحببته أكثر لأننى وجدت فيه مصرية خالصة فكان يحب أن يعيش حياته ويحب أن يعيش غيره حياة أفضل لم يكن متشوقا لهدم الشخصيات الكبيرة أو حاقداً وناقماً على الأغنياء مثل من سبقوه فى حكم مصر سواء من الملوك أو الرؤساء ولكن أخطأ الجميع فى فهم شخصيته سواء فى الداخل أو فى الخارج.. ومن هذا اليوم وهناك قانون شهرى أصدرناه فيما بيننا أن نتقابل صباح أحد الجمع من كل شهر.. السيارة السوداء التى تخص الرجل الأول فى مصر تعبر تأخذنى فى الموعد.. لأصلى معه ونأخذ يومنا معا يسألنى فى شىء وأرد عليه.. لا أحب كثيرا أن أتدخل فى سياسته..

ولكنى ألقى عليه بعض الاستفسارات التى تلح على مثل وضع مصر قبل الحرب وحالها بعد الحرب.. وما هو دور الولايات المتحدة فى الأمور بالضبط.. وكيف سيرد على العرب الذين يتهمونه بالخيانة.. وكيف سيداوى جراحنا مع سوريا.. وهل بالفعل يعتمد على السوفيت فى كل شىء كما فعل عبدالناصر.. وما هى الحلول التى يطرحها للأزمات الداخلية خاصة أن الجميع يحاولون التشكيك فى قدراته.. وأحيانا كنت آخذ بعض العبارات من على لسانه، وأضعها فى مؤلفاتى.. لقد كان السادات يمتلك صدراً رحباً، فيسمع النقد أو الرأى الآخر ويدرسه إلى أن يصل إلى القرار..

وذات مرة سألنى باهتمام شديد عن رأيى فى أحد الحوارات التى كان يصرح بها لمجلة مايو.. بصفة دورية.. وسألنى عن رأيى فى أحد الحوارات التى أدلى بها لجريدة قومية.. وفى الحقيقة كانت قد انتابتنى الدهشة فى هذا الأسبوع بالذات لأن الرئيس السادات كان قد أعطى ثقة عمياء لبعض الزملاء من الصحفيين.. إلا أن هؤلاء الصحفيين يبدو أن لهم رأيا آخر.. فقد شاهدت شيئا مخيفاً..

فى تلك الأيام كان الرئيس ينشر يوميات مصورة له منذ صباحه حتى منامه ويظهر وهو يحلق ذقنه ثم وهو يمدد قدميه على مخدة ريش نعام.. فى بهو منزله - وقت القيلولة - وفى نفس الوقت كانت هذه نفس مرحلة انتشار العشوائيات وظهور مظاهر جديدة على الشعب المصرى مثل سكان القبور وطوابير الجمعية وظهور أثرياء بثروات فاحشة، نتج عنهم بالتالى فقراء معدمون..

أما الشىء المخيف الذى شاهدته فهو أن السادة الذين وثق بهم رئيس الدولة قد قاموا بنشر صور الرئيس فى الصفحة الثالثة بعد أن أقنعوه أنها تأريخ لتفاصيل حياته الإلهية، التى يحتاجها الشعب المصرى. ونشروا فى الصفحة المقابلة سلسلة تحقيقات عن سكان القبور وعن الفقراء والفئة المعدومة التى ظهرت حديثا.. وبعد انتهاء حلقات صور الرئيس.. ملأوا نفس الصفحة بأخبار أبناء الرئيس وبنات الرئيس وحفلاتهم وزواجهم وأعياد ميلادهم ونزهاتهم وتفوقهم .. إلخ.

وهنا يمكن أن أقول إن من هؤلاء الزملاء الذين وضع فيهم السادات ثقته من لم يكونوا محل ثقة، وحاولوا أن يشوهوا صورته أمام شعبه وصارحته برأيى وما كان منه إلا أن أوقف هذه السلسلة من التحقيقات، ولكن بعد أن كانت اكتملت وعملت مفعولها.. وها أنتم ترون النتيجة التى بثها مثل هؤلاء فى ضعاف النفوس من الفقراء.. لتكون النتيجة الهائلة.. حادث المنصة.