Powered By Blogger

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 17 يناير 2010

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود --الحلقه الحادية عشرة..رحلاتى.. سوَّاح فى دنيا الله

مازلنا نفهم الشرف فى بلادنا الشرقية بمفهوم ضيق جداً فالشرف عندنا هو صيانة الأعضاء التناسلية ونحاول أن نحكم على الشعوب بنفس المستوى فباريس داعرة لأنها تتبادل القبلات فى الشوارع وإنجلترا انهارت لأن الرجال أطالوا شعورهم ولندن هى الشذوذ الجنسى ولكن الحقيقة أن الشرف أكبر من هذا فهو شرف الكلمة.. شرف العمل والمسؤولية

مصطفى محمود

الوصول إلى اليقين أخذ الكثير من العمر.. نصف عمره تائه والنصف الآخر يبحث عن الحقيقه.. هل انعزل داخل حجرة مغلقة وظل يفكر.. وفقط، مثلما فعل أسلافه فى التاريخ البعيد.. الإمام أبوحامد الغزالى مثلا، أو جان جاك روسو؟ بالتأكيد لا؛ فالحقيقة فى هذا العصر الحديث تحتاج إلى ما هو أكثر من التفكير المجرد.. تحتاج إلى التجربة.. والمشاهدة.

مصطفى محمود أكد أكثر من مرة أن المسيخ الدجال ظهر بالفعل متمثلاً فى الوحش المسمى بالعولمة والذى أكل الأخضر واليابس فى طريقه ولم يترك دولة إلا واحتلها اقتصاديا أو ضمها إلى أملاك الشيطان الكبير مخترع العولمة.. وكان يحدث نفسه دائما: فى مثل هذا العصر المخيف هل يصح أن أعرف ما أعرفه من صفحات الكتب فقط؟

تحدث المفكر الكبير مصطفى محمود، وهو ينظر إلى مجموعة من الصور التقطت له فى مشارق الأرض ومغاربها، وقال: لا أستطيع أن أجزم بأننى مازلت أتذكر كل شىء عنها رغم أنها حصلت على نصيب كبير من عمرى فاستغرقت أكثر من ٤٠ عاماً أتنقل بين بلاد الله بحثاً عن الجديد.. بعد أن تعرفت على ما كان متاحاً لى داخل مصر والوطن العربى، وفى هذه الرحلات كانت نقاط التحول فى فكرى وحياتى وهى التى سأرويها هنا.

البداية كانت عندما كانت الرحلة والسفر من أهم الأشياء فى حياتى منذ مولدى وحتى الآن.. أتذكر عندما كان أبى يقول لى ولأخوتى إن الناجح وصاحب الدرجات الأكثر فى المدرسة سيحظى برحلة إلى القناطر الخيرية.. كنت أعيش أيامى أحلم بالرحلة وأتخيل ما يمكن أن أراه فيها وما يمكن أن أحمله معى وأنا عائد منها، ولذلك كنت أصنع المراكب الورق وأتخيل أننى سأفرت على ظهرها للهند وكما تعودت منذ الصغر أنه لابد من تحقيق أحلامى مهما كانت صعبة ومهما طال الزمن..

حتى لو كان السير على الأقدام من جنوب أفريقيا إلى القاهره.. وهو الحلم الذى طالما راودنى منذ الطفولة وقد تحقق حين أصبحت صحفيا فى روزاليوسف، وعلمت أننى ضمن الوفد المسافر لحضور مؤتمر آسيوى أفريقى فى تنجانيقا- تنزانيا حالياً- عام ١٩٦٢ وعندما علمت بخبر اختيارى ضمن الوفد كدت أن أغيب عن الوعى من الفرحة.

لم تكن سعادتى بالسفر لأنى سأصبح نزيل فندق خمس نجوم أو سأتمتع بمجموعة من الفسح والتسوق ولكن كانت سعادتى لأننى أخيرا سأحقق جزءا كبيرا ومهما من رحلة البحث عن الإيمان واليقين من أكثر البقاع التى لم تدنسها بشرية أو حضارة زائفة أو عولمة من الغابات والصحراء والطبيعة..

وعلى الفور توجهت لاستخراج تأشيرات السفر وحدث أطرف موقف فى حياتى أظهر لى مدى سوء الحظ عندما قابلتنى الصعوبات فى استخراج تصاريح السفر وعرقلوا سفرى بطرق كثيرة.. واكتشفت أن السبب أن هناك ضابطاً عسكرياً يحمل نفس اسمى ممنوع من السفر بأمر السلطات وكان مثل هذا الأمر يحتاج أيام عبدالناصر إلى بحث وتحريات حتى يتوصلوا إلى أننى لست هذا الشخص الممنوع من السفر وكم تمنيت كثيرا فى هذه الأيام أن أغير أحد الشيئين.. اسمى أو النظام.

وعندما حلت مشكلة التصاريح فوجئت بشح فى العملة الصعبة.. التى أحتاجها لمواجهة متطلبات الرحلة وإن أسعفتنى ذاكرتى فهو لم يكن مبلغاً من المال يزيد على عشرة جنيهات ورغم كل هذه الصعوبات إلا أننى استطعت أن أتغلب عليها وسافرت وغمرتنى السعادة لدرجة جعلتنى أنسى كل المتاعب التى صادفتها قبل السفر وما إن وضعت قدمى فى أفريقيا حتى انطلقت لأحقق ما أصبو إليه.. التنقيب عن أسرار أفريقيا..

فلم أطق الجلوس ولو دقيقة واحدة داخل الفندق وفى «تنجانيقا» صعدت جبل «كليمنجارو» ذلك الجبل الغريب الذى تتوافر فيه جميع فصول العام فحتى الثلوج تجدها فوق هذا الجبل وكلما صعدت تدريجيا تتغير أنواع النباتات التى تقابلك، فهذا الجبل فى حد ذاته يمثل متحفا من الطبيعة الرائعة، ولم أنس أننى يجب عند عودتى أن أكون محملا بكم من الصخور الطبيعة النادرة والأعشاب وهذا ما حدث بعد ذلك..

وكانت سعادتى كبيرة لأننى لم أصرف مليما من الجنيهات أثناء فترة انعقاد المؤتمر فقد تكفل المؤتمر بكل مصاريف الإقامة والمأكل والمشرب وما إن انتهى المؤتمر واستعد الجميع للعودة إلى مصر حتى فوجئوا بى أقول لهم «ترجعون إلى مصر بالسلامة».. وصرخ يوسف السباعى، الذى كان سكرتير المؤتمر الآسيوى الأفريقى، «ليه أنت مش راجع معانا ولا إيه».. فقلت له «لا راجع لكن مش بالطياره.. أنا هاروح مشى على رجلى»، واعتبرها مزاحاً وضحكاً، وضحك الجميع معه ولكنه تعجب عندما تأكد من أننى لا أمزح فقال «أنت اتجننت» ولكنى قلت له هذه فرصة العمر فلن أضيعها.

اتجهت إلى جنوب السودان وأتذكر أننى قوبلت بحفاوة وتقدير فى كل مكان أذهب إليه وقابلت عددا كبيرا جدا يقولون بأنهم من قرائى والمعجبين بكتاباتى فقد اتضح أن مجلة صباح الخير تصل إليهم وتلقى رواجا كبيرا بينهم ولهذا ظلت الجنيهات التى خرجت بها من مصر كما هى لم تنقص مليما وهذا لكرم القراء فى السودان الذين أقاموا لى ولائم ونحروا الذبائح احتفالا بوصولى.

ووصلت إلى «جوبا» فى جنوب السودان ومنها إلى الأحراش وهناك عشت ثلاثة أشهر من أفضل أيام حياتى بين أبناء قبيلة «نم نم» أو «نيام نيام» التى يعيش أهلها عراة تماما إلا من ورقة توت.. استضافنى زعيم القبيلة وكان يجيد الإنجليزية لتعامله مع الاستعمار الإنجليزى، والغريب بل الكارثة والفاجعة أنه كان متزوجا من خمسين سيدة يسكنون فى خيام متجاورة وعرض على أن أتزوج أربعا من بناته وعلى الفور أصابنى الرعب من هذا المأزق ولم أستطع الخروج منه.. ماذا سأقول لزوجتى سامية فى مصر «دى كانت تتجنن وتقتلنى»..

فضحك زعيم القبيلة عندما سمع منى هذا الكلام وأكد لى أن الرجل عندهم لا يعمل وغير ملزم بالإنفاق على المنزل أو الزوجة ولكن المرأة التى تقوم بالعمل والإنفاق عليه وكانت دهشتى بالغة حين رأيت بعينى الرجل فى هذه القبيلة يقتصر دوره على الجلوس تحت شجرة ليدخن ويأكل ويشرب بينما نساؤه يعملن لتوفير كل متطلباته ولم يكن غريباً ما سمعته وشاهدته بأن المرأة هى التى تطلب من زوجها أن يتزوج عليها لكى تجد من يساعدها فى العمل كما أن الجنس منتشر فى هذه القبيلة بشكل كبير فالمضاجعة دون زواج مباحة ولكن بشرط ألا تحمل الفتاة فإذا حملت تقدم هى وعشيقها أمام محكمة القبيلة وتكون الفضيحة والعار لها ولأبنائها من بعدها.

كما أننى شاهدت الحملات التبشيرية حيث يأتى المبشر المسيحى وهو مؤهل على المستوى الشخصى لجذب اهتمامات هذه الشعوب ففى الغالب يكون طبيبا بشريا وبيطريا وخبيرا فى الزراعة فيستطيع علاج البشر والحيوانات ويساعدهم فى الزراعة وكل ذلك من أجل أن يكسب ثقتهم ويصبح من السهل عليه جذب هؤلاء من القبائل البدائية إلى المسيحية وكانت هذه القبائل ترفض المسيحية وتقبل الإسلام لتعدد الزوجات، وذات مرة قالوا للمبشر كيف يمكن لداود أن يتزوج من مائة سيدة وسليمان ألف سيدة وأنت تريدنا أن نتزوج امرأة واحدة فقط، وحضرت محاضرة دينية بين المبشر وأبناء القبيلة يعرض من خلالها دينه فكان يقول إن الرب أمرنا بأن نبتعد عن السرقة والزنى، ولكن قال أحد رجال القبيلة، الإنجليز هم اللصوص الحقيقيون فقد سرقوا الأبنوس وثرواتنا ومناجمنا وحملوها على المراكب إلى بلادهم اذهب وانصحهم واتركنا فنحن عراة ولا يوجد علينا ما يسترنا غير ورقة توت، كانوا أذكياء رغم بساطة معيشتهم.

كانت رحلتى بالصحراء الكبرى هى أطول الرحلات التى قضيتها فى حياتى فقد استغرقت شهورا عديدة التقيت خلالها بقبيلة «الطوارق» التى قابلت فيها سيدة عمرها فوق الـ٨٥ عاما ورغم أن الإسلام لم يصل إلى جزء كبير من هذه القبائل إلا أنهم جميعا كانوا يحفظون القرآن كاملاً، رغم أنهم وثنيون، ولكن من الغريب أنهم حين يأتيهم الموت يرفعون إصبعا واحدا إمعانا وإشارة إلى الخالق الواحد القهار.

ومن غرائب هذه القبيلة أن الرجال فيها منقبون «ملثمون» والنساء متبرجات وهذا ما استوقفنى كثيرا أفكر فى الأمر محاولا أن أجد تفسيرا منطقيا لما يفعلون، وسمعت الكثير وكان ضمن ما سمعت أن الرجال دائما فى الصحراء يسفون الرمال ولكن المرأة لاتخرج من بيتها. لكن اكتشفت أن ديانات هذه القبائل تعتبر الفم عورة لأنه مصدر خروج الخير والشر والرجال فى الطوارق يفتخرون بأنهم ظلوا مع زوجاتهم طوال أربعين أو خمسين عاما ولم تر فمه أو تقول الزوجة: لقد عشت مع زوجى أربعين أو خمسين عاما ولم أر فمه.

وعندما ذهبت إلى مدينة «غدامس» الليبية فى قلب الصحراء تعرضت لدرجات حرارة شديدة ومختلفة وهذا ما كان يصيبنى بالبرد دائما وكنت أخاف بشدة من العقارب السامة والثعابين والحشرات التى يمكن بلدغة بسيطة منها أن أموت قبل أن يتم إسعافى، ففى الغالب معظم هذه القبائل تعيش بعيدة عن المدن والقرى التى يوجد بها المستشفيات وإن وجدت عندهم فتكون بدون استعداد كاف.

دخلت «غدامس» الإسلام تحت قيادة عقبة بن نافع وتحول جزء كبير منها إلى الإسلام وكان يثيرنى ويدعونى إلى التفكير كيف سافر الفاتحون الأوائل إلى الصحراء حفاة عراة من أجل هدف عظيم وسام وأى طاقة أطلقتها كلمات القرآن فى هؤلاء الناس. أكثر ما أسعدنى فى «غدامس» قبل أن أنتقل إلى قبيلة الطوارق لأعيش فى خيمهم هو ذلك الفندق الوحيد الموجود والعتيق وتلك الغرفة التى نزلت فيها التى قيل لى إن المارشال «بالبو» سكنها من قبل وأن «صوفيا لورين» كانت هذه غرفتها أيام تصوير فيلم «الخيمة السوداء».

أما رحلتى إلى الهند فكانت أكثر رحلاتى متعة بعدما شاهدت عن قرب كل هذا الكم الهائل من الديانات.. الهنود مختلفون فى كل شىء حتى فى صناعة أطعمتهم المليئة بالشطة والتى كان يصعب على تناولها لأنها تصيبنى بالتهابات معوية حادة.

وفى ذات يوم وأنا أتجول فى شوارع دلهى مع فوج من الأصدقاء المصريين والهنود والعرب شد انتباهى وأسرنى ذلك الرجل الذى رأيته أول مرة فى أحد شوارع دلهى عاصمة الهند، والذى كان نقطة تحول فى حياتى بعد ذلك، وهو يجلس فى حالة ثبات ويرتفع فى الهواء بلا مساعدة من أحد وبالفعل بهرتنى قدرته العجيبة على التحكم فى ذاته، وبهرنى أكثر عندما سمعت قصته فهو «براهما واجيوارا» كان يعيش طفولة مرفهة وجميلة داخل قصر كبير وتلقى تعليمه فى إنجلترا بجوار أبناء الملوك والأمراء وهو يتحدث الإنجليزية ويحيط بالفلسفة الغربية وآدابها وعضو فى جمعية مارلبون الروحية بلندن، ولكنه عاد إلى الهند ليخلع البدلة الأنيقة ويهجر بيته وزوجته وأبناءه ويهيم فى الجبال والغابات حافيا عاريا لا تستر جسده إلا خرقة قصيرة وقديمة».

استطعت أن أصل إليه عن طريق صديق هندى قديم ودخلت إليه داخل الكهف الذى يعيش به فى أحد الجبال وعندما قابلته رحب بى وأعطانى بعض الحبوب المملحة لأتناولها وأراد أن يملأ لى جرة من الماء فنزل سلالم بئر داخل الكهف حتى استقر فى قاع بئر الماء وسكنت حركته تماما ولم يخرج منها إلا بعد ٤٥ دقيقة كنت خلالها أصرخ فى صديقى الهندى لنحاول أن ننقذ الرجل ولكنه كان يضحك ويقول هذه أشياء بسيطة بالنسبة له، وجلس براهما يتمتم بقراءة آيات من الإنجيل والتوراة ثم من كتب البوذية بعد أن أعطانى جرة الماء وقال اشرب فإنى أنزل للحصول على الماء الطاهر من قاع البئر، وقبل سفرى إلى القاهرة ذهبت إليه أرتجف خوفاً من الدنيا ومن الآخرة، ولكنه مسح بيده على رأسى وأعطانى منديلاً به صرة ملح وسافرت عائداً إلى مصر وأنا على يقين بأن السماء بالقرب من الله أفضل من الحياة بالقرب من الناس.

وبعد الهند ذهبت إلى ألمانيا التى لا أستطيع أن أنسى ما قضيته من ليال فى كباريهاتها المحترمة، وألمانيا بلاد مهذبة جدا وأهم ما بها هو الورش والمصانع، فكنت أنام على مصنع وأستيقظ على ورشة، حتى شعرت بالملل فقلت لأحد أصدقائى الألمان أليس عندكم «ملاهى» أو كازينوهات واصطحبنى يوم الإجازة لأحد الكباريهات ليست كالموجودة فى مصر ولكن كل من كانوا داخله من العجائز، وجلست أشاهد الاستعراض وأصغى إلى موسيقى فاترة حالمة ففى ألمانيا الكباريهات محترمة وفى أحد الأيام تجولت وحدى لأشاهد ألمانيا بنظرة باحث وعرفت أن هناك شوارع مخصصة للفجور والدعارة والكباريهات المنحطة، وعندما ذهبت إلى هناك عرفت أن هذه الشوارع موجودة من أجل تلبية رغبات السياح وبعد تجولى داخل الشارع عرفت أننى لا أتفرج على ألمانيا بل أتفرج على نفسى وعلى الصورة التى فى ذهن الألمان عنى وعن السياح.

وفى هامبورج كانت هناك لحظات كثيرة طريفة بدأت من اللحظة الأولى حيث الوقت عند الألمان أهم شىء بعكسنا نحن المصريين، وأتذكر جيدا عندما كنت أقف فى صالة الفندق أكتب خطابا إلى «روزاليوسف» وإلى جوارى الملحق الصحفى الألمانى يشد شعره لأن المبعوثين المصريين لا يفهمون أن هناك مواعيد يجب الالتزام بها، وعندما صعدت بعد وصولى للفندق فى هامبورج لغرفتى لأستريح وعندما فتحت باب الغرفة كانت خاوية تماما ولا يوجد بها سرير وغضبت جدا فقد كنت منهكاً من السفر وأريد النوم، وإذا لم تكن هذه غرفتى فسيكون هناك وقت حتى أنتقل إلى الغرفة الجديدة أو سأنتظر حتى يفرشوا هذه الغرفة، وبسرعة بحثت عن الخادم وعندما جاء أبديت له دهشتى من معاملتهم للسواح فى ألمانيا.. أتعطوننى غرفة فارغة هل سأنام على الأرض وأصاب بالتهاب رئوى وبرد..

وابتسم الرجل ونظر إلى شعرى الأكرت ثم اتجه إلى زر فى الحائط وضغط عليه فخرج سرير كامل المعدات من داخل الحائط، واتجه إلى اليمين وضغط على زر آخر فخرجت كنبة، وشد حبلا فى الخلف فخرج مصباح وكتب وكرسى ومائدة عليها راديو وتليفون ونوتة مذكرات وإعلانات وهدايا، وشعرت بالخجل من جهلى بالتكنولوجيا الحديثة- وأنا كاتب وروائى- أمام خادم ألمانى.

لكن الأيام القليلة التى عشتها فى روما شعرت خلالها كأنى أعيش داخل لوحة فنية رائعة ولا أريد مغادرتها، شاهدت المدينة وكأنها قديمة وتبدو كمتحف، ففى كل مكان تماثيل قديمة ونافورة، وروما حافظة أمينة لتاريخ الفن الرومانى وكل آثار الفن الخالدة فيها أقيمت بتبرعات من جميع أرجاء أوروبا بدعوة من البابا من أجل المسيح، وفى متحف الفاتيكان شاهدت قصة المسيحية مرسومة على الجدران بريشة دافنشى ورافائيل، وفى الكنائس والمعابد شاهدت الكهنة، ووجدت للكاهن المصرى غرفة خاصة فى متحف الفاتيكان قابلت فيها فراعنة أعرفهم وملوكاً قدامى من الأسرات الأولى ولا شك أن تماثيلهم سرقت وعبرت البحر إلى إيطاليا ثم بيعت للبابا والكنيسة.

وفى روما عرفت أننى لم أفهم النحت الفرعونى فى مصر وتعلمت الفرق بين النحت المصرى الفرعونى والنحت الرومانى، فعندما نشاهد التمثال الفرعونى من بعيد ومن قريب ومن كل الزوايا نجده جميلاً أما التمثال الرومانى فيبدو من بعيد وكأنه «لعبكة» لكثرة ما فيه من التفاصيل والحركات ولتعدد الشخصيات فى كل تمثال.

وفى كنيسة القديس بطرس وجدت نفسى تحت قبة هائلة من الرخام ودفعت ستين ليرة لكى أشاهد المتحف البابوى ودخلت سرداباً يحتوى على أرواب وقلانس وصلبان وتيجان من الذهب كل تاج منها يزن بضعة أرطال، ومصاحف مدهبة ضخمة فى حجم الدولاب وجواهر نادرة، وعجبت لهذا البذخ الأسطورى وكان هذا البريق الخافت والذهب والماس والمجد والسلطان ممتلكات للبابوات الزاهدين الذين تركوا الدنيا خلف ظهورهم.

كنت أمصمص شفتى وأقول مساكين هؤلاء البابوات.. إن هذه التيجان حمل ثقيل جدا بالفعل، وجلست أتأمل كل هذا فى حالة حيرة، وعلى الفور تذكرت الخديو إسماعيل الذى حاول أن يجعل القاهرة قطعة من روما بعد أن جمع الفن الكلاسيكى وألقى به فى الميادين من خلال التماثيل والعمارات الأنيقة التى مازلنا نراها حتى الآن، ولكن إذا اتبعنا خطى إسماعيل فسنجعل من القاهرة بلدا قديماً ومتحفاً للذكريات.


الخميس، 14 يناير 2010

إبراهيم عيسى يكتب : مفاوضات السادات مع حسن البنا

يبدو أنها ليلة مهمة جدا في حياة الرئيس السادات لدرجة أنه يصفها بأنها كانت ليلة البدء لأحداث كثيرة متتابعة سمع المصريون أطرافاً منها، بعضها خافت كالهمس، وبعضها مدوٍ.. كالقنابل والمتفجرات!

ليلتها كان السادات ضابطا في سلاح الإشارة في معسكر في المعادي يحتفل مع جنوده بليلة المولد النبوي ويكمل السادات تفاصيل الليلة ويحكي:

(كنا جلوساً في إحدي غرف السلاح، نتناول العشاء ونتكلم. ودخل علينا ونحن جلوس للعشاء في ليلة مولد النبي جندي من جنود السلاح الفنيين، لم يكن موجوداً بيننا منذ بدء هذه الجلسة، وقدم إلينا صديقاً له يلتحف بعباءة حمراء لا يكاد يظهر منه شيء كثير)..

لم أكن أعرف هذا الرجل إلي ذلك اليوم، ولم يثر دخوله ولا ملبسه اهتمامي، ولم يلفت نظري.. وكل ما هناك أني صافحته ورحبت به، ودعوته إلي تناول العشاء معنا، فجلس وتناول العشاء...

وفرغنا من الطعام، ولم أعرف عن الضيف شيئاً إلا بشاشة في وجهه ورقة في حديثه وتواضعاً في مظهره.

ولكني عرفت بعد ذلك عنه شيئاً كثيراً...

فقد بدأ الرجل بعد العشاء حديثاً طويلاً عن ذكري مولد الرسول.. كان هو اللقاء الحقيقي الأول بيني وبين هذه الذكري...).

واضح مما يسرده السادات تأثره بكلام هذا الرجل لدرجة إحساسه أنها المرة الأولي التي يسمع فيها كلاما عن المولد النبوي الشريف وكأنه ما سمعه من قبل لم يكن شيئا بل مجرد كلام تقليدي لا أهمية فيه ولا منه

لكن من كان هذا الرجل ؟

يرد السادات وأنا أنقل عن كتابه الخطير والنادر (صفحات مجهولة) الذي صدر عام 1954ولن تجده مطبوعا مرة أخري بعد ذلك ربما لزحام الخطورة في كل صفحات الكتاب، إذن من كان هذا الرجل؟ يجيب السادات:

(كان في سمات هذا الرجل، كثير مما يتسم به رجال الدين:عباءته، ولحيته، وتناوله شيئاً من الدين بالحديث..لكن ليس حديثه هو وعظ المتدينين..ليس الكلام المرتب، ولا العبارات المنمقة، ولا الحشو الكثير ولا الاستشهاد المطروق، ولا التزمت في الفكرة، ولا ادعاء العمق، ولا ضحالة الهدف، ولا إحالة إلي التواريخ والسير والأخبار!.. كان حديثه شيئاً جديداً.. كان حديث رجل يدخل إلي موضوعه من زوايا بسيطة ويتجه إلي هدفه من طريق واضح.. ويصل إليه بسهولة أخاذة.. وكان هذا الرجل هو المرحوم الشيخ حسن البنا مرشد الإخوان المسلمين).

تبدو سطور السادات في هذا الكتاب منبهرة بحسن البنا ومرتبطة به فعلا وجدا وهو ما يطرح أسئلة مهمة حول حقيقة العلاقة بين السادات والضباط الأحرار من جهة والإخوان المسلمين من جهة أخري، فالكتاب كتب مقدمته جمال عبدالناصر شخصيا وقد أغدق في المقدمة علي السادات أوصافا من قبيل (إن شخصية السادات العبقرية لجديرة بالإعجاب خليقة بالإطراء، فعبقريته العسكرية الممتازة وشجاعته ورباطة جأشه وإخلاصه وتفانيه في خدمة المثل العليا إلي جانب قوة إرادته وتنزهه عن الغرض ورقة عواطفه وميله الغريزي للعدالة والإنصاف كل هذه الصفات جعلته أهلاً للقيام بدور مهم في التمهيد لثورة يوليو 1952 والسير بها قدماً في سبيل الحياة).

ها ما رأي أصدقائي الناصريين في هذه الأوصاف شبه الملائكية التي يسبغها عبدالناصر علي السادات، هل هناك أي تساؤل تشكيكي جديد في دور السادات في ثورة يوليو أو شيء من الاتهامات المفضلة لدي خصوم السادات حول تاريخ الرجل قبل الثورة؟!

المهم السادات يكتب عن حسن البنا وعن مفاوضات الضباط الأحرار مع الإخوان بمنتهي الصراحة والوضوح الذي وافق عليه جمال عبدالناصر بدليل كتابته لمقدمة هذا الكتاب بكل ما فيه من خبايا حاول رجال يوليو بعد ذلك التنصل منها، والثابت فيما كتبه السادات بخط يده هو حالة الانبهار التي ملأته طوال الوقت بمرشد الإخوان الأول حسن البنا، ويقول : .

(وانتحي الرجل بي ناحية، وتجاذب معي حديثاً قصيراً أنهاه بدعوتي إلي زيارته في دار جمعية الإخوان المسلمين قبل حديث الثلاثاء..كانت الجمعية إذ ذاك لاتزال في دارها القديمة التي تشغلها الآن شعبة الجوالة التابعة لها...وذهبت يوم الثلاثاء.لم أكد أضع قدمي في مدخل الدار، حتي شعرت بكثير من الرهبة، وكثير من الغموض)، ثم يواصل في موقع آخر من الكتاب (وبدأ المرحوم حسن البنا يتحدث إليّ حديثاً طويلاً عن تشكيلات الإخوان المسلمين، وأهدافه منها، وكان واضحاً في حديثه، أنه يريد أن يعرض عليّ الانضمام إلي جماعة الإخوان المسلمين، أنا، وإخواني في تشكيلنا حتي تتوحد جهودنا العسكرية والشعبية في هذه المعركة.

وكنت أنا مستعداً للإجابة عن هذا الطلب إذا وجهه إلي، فلما رأيته يكتفي بالتلميح، أوضحت له من جانبي أيضاً، أنه ليس من وسائلنا أبداً أن ندخل كجماعة ولا كأفراد في أي تشكيل خارج نطاق الجيش.

وأطرق المرحوم قليلاً ثم قال، وعلي وجهه ابتسامة تغطي تفكيراً عميقاً:

ــ من الخير لنا إذن لنجاحنا ونجاحكم أن نتشاور وأن نتكلم معاً في كل شيء.. كما أننا علي استعداد كي نعاونكم عندما تطلبون ذلك إلينا.

وبدأ بيننا تعاون كنت أنا الصلة فيه.. تعاون بدأ في تحفظ واستمر في تحفظ..

وفي خلال هذا التعاون تكشفت لي أشياء كثيرة من الأسرار الداخلية لجماعة الإخوان رغم أنه - رحمه الله - لم يحاول أن يكشف لي شيئاً منها، ولا أن يطلعني علي أي سر من أسرارهم الداخلية..

أهم هذه الأسرار، أن حسن البنا وحده كان الرجل الذي يعد العدة لحركة الإخوان، ويرسم لها سياستها ثم يحتفظ بها في نفسه.. وأن أقرب المقربين إليه لم يكن يعرف من خططه شيئاً، ولا من أهدافه شيئاً.

حتي لقد كان حسن البنا في ذلك الوقت المبكر يجمع السلاح، ويشتريه ويخزنه، ولكنه لم يكن يطلع أقرب الناس إليه من كبار الإخوان أنفسهم علي أي شيء من كل هذا..

وكان علي العكس من ذلك يستعين في هذه العمليات بإخوان من الشباب الصغار.. وكان منهم الجندي المتطوع الذي جاءني به في سلاح الإشارة أول مرة..

وكان أعوانه الصغار هؤلاء يعرفون أن ما بينهم وبينه سر علي الناس جميعاً بمن فيهم الإخوان الكبار.

فقد أدركت هذا في يوم من الأيام، كنت جالساً معه، عندما دخل علينا هذا الجندي المتطوع يحمل في يديه صندوقين مغلقين.

ورآني الجندي جالساً، فأجفل، ولكن حسن البنا قال له افتح الصناديق، ولا تخف..

ونظر الجندي إليَّ بابتسامة الأخ في الجهاد، ثم فتح صندوقيه وكان ما فيهما عينات من أنواع المسدسات.

وتأكدت في ذلك اليوم من أن الرجل يشتري سلاحاً ويخزنه ويخفيه حتي عن الإخوان.

وفرحت في نفسي بذلك..فسيأتي اليوم الذي نضرب فيه ضربتنا كرجال عسكريين.. وسيكون من أهم ما نستعين به أن نجد قوة شعبية تقف في الصف الثاني، مسلحة مدربة.

ولكن، متي يكون هذا اليوم؟ إن الأمر بحاجة إلي إعداد كامل طويل..ونحن نستعد، ونستعد، ونستعد.

ودعوتنا تجد أنصارها ببطء، ولكن في وثوق وكل شيء يجري علي وجه نطمئن إليه.

وكنا قد بدأنا نفكر في التنفيذ العملي.. فكان لابد لنا من أن نعاود الاتصال بالإخوان المسلمين لكي يكونوا هم القوة الشعبية التي تشاركنا باسم الشعب تبعات العمل الكبير).

الإخوان المسلمون إذن منذ لحظة وجودهم في الحياة السياسية المصرية رقم صعب، لايمكن لحركة أو فريق أو تيار سياسي يريد النهوض بالبلد أن يتغافل عنهم أو يتجاهلهم، بل يبدو الأمر مثل هذه الأيام تماما حيث تتجه القوي المعارضة الوطنية نحو الإخوان تستحثهم علي الانضمام للنداء الوطني بالتغيير وتناشد هذه الجماعة أن تتعاون معها، لكن المدهش أن درس التاريخ الذي نستوعبه من كتاب وذكريات السادات وضباط يوليو مع حسن البنا والإخوان هو:

1- هذه الجماعة لها أجندتها وأهدافها الخاصة منذ بدأت وهذا حقها تماما ولا يناطح هذا الحق أحد، لكن هذه الأجندة تجعل الإخوان منذ كان السادات يتفاوض معهم قبل يوليو 1952وحتي الآن يختارون دائما المواعيد الخطأ والمواقف الأكثر خطأ، ثم إن التردد سمة جذرية فيهم والتراجع ساعة الجد وعدم القدرة علي قراءة الواقع سمة أصيلة عندهم ومن ثم تطيش خطواتهم حين يتحركون وتفشل ريحهم حين يتجمدون عن الحركة، كما أنهم يتميزون بالغرور بالقوة حتي يفقدوها تدريجيا وأحيانا تماما، فيتحولون إلي الإحساس بالاستضعاف وروح الضحية فيتقوقعون حتي يفقد الآخرون فيهم أي أمل في أن يفعلوا أي شيء!

2- إن أي فريق أو تيار يعتقد أنه لايستطيع الحركة أوالتأثير إلا بتشكيل جبهة مع الإخوان فإنه يوهم نفسه وهمين: الوهم الأول، أن الإخوان يمكن أن يشكلوا جبهة مع أحد في فعل حقيقي وجذري، والوهم الثاني أنه لايمكن الحركة بغير الإخوان، فالحقيقة أن التحولات الكبري في مصر منذ يوليو 52وحتي الآن تمت دون وجود الإخوان في الصورة، الإخوان منذ خرج أنور السادات من أحد لقاءاته بالمرشد حسن البنا وحتي الآن فريق يأخذ أكثر من حجمه بينما يلعب دورا أقل من دوره !!

أعود إلي أسرار السادات وهو يذيعها قبل أن تتحول بفعل الزمن ومستجداته مجددا إلي أسرار طواها النسيان أو التناسي المتعمد، يقول السادات في كتابه (صفحات مجهولة) الصادر عن سلسلة كتب للجميع عدد رقم 84 في 1954: (وإذا قلت «الاتصال بالإخوان المسلمين» فإنما أعني الاتصال بالمرحوم حسن البنا، فلم تكن لي صلة عملية بغيره.. أو هكذا أراد حسن البنا نفسه.. فقد كان كما قلت من قبل، أحرص ما يكون علي أن يظل ما بيننا وبينه سراً خافياً علي الجميع، حتي علي كبار الإخوان أنفسهم.

وعندما بدأت الاتصال به للقيام بالعمل الفعلي الذي كان يعرف أننا ننويه، تكتم الأمر أيضا بينه وبين نفسه.فقد ذهبت إليه حينئذ في دار الإخوان وطلبت مقابلته لأمر مهم وكان الأستاذ السكري- وكيل الإخوان المسلمين - موجوداً معه، فإذا به يشير بأن أدخل إلي غرفة في مدخل الدار كانت مخصصة لشركة المعاملات الإسلامية.وبذل - رحمه الله - جهداً كبيراً لكي لا يشعر الأستاذ السكري بأي حركة غير عادية، ثم تسلل إليَّ في الغرفة من باب آخر لها، وأخذني من يدي فخرجنا متلصصين، إلي عربة نقلتنا إلي بيته بالقرب من دار الجماعة.. وأغلق البنا باب غرفته وأوصد الشبابيك ثم مال عليَّ برأسه لكي يسمع ما أردت أن أنهيه إليه.وفي تلك الليلة بسطت للمرحوم البنا كل التفاصيل وتوسعت معه في شرح دقائق الخطة العسكرية الموضوعة، وأفهمته حقيقة الدور الذي نريد أن يقوم الإخوان به، وحدود هذا الدور. وأطرق البنا طويلاً وهو يستمع لي ثم سكت فترة طويلة أخري قبل أن يتكلم.. وعندما تكلم أجهش في البكاء!!ومرت فترة وهو يتكلم..كنت أنا خلالها ذاهلا كالمسحور.

قال كلاماً كثيراً.. كلاماً مثيراً ممتزجاً بالإيمان الشديد.. وكان واضحاً جداً من كلامه أنه يؤثر مصلحة البلاد.

ولكنني عندما خرجت من عنده، سألت نفسي:

- هل وعد الرجل بشيء؟

هل احتضن خطتنا؟

- هل هو سيقوم بتنفيذ نصيب الإخوان منها؟

وحرت في الإجابة عن كل سؤال من هذه الأسئلة.. فالواقع أن الرجل تكلم كثيراً وأثر في نفسي كثيراً وبكي من أجل مصر كثيراً.. ولكنه لم يعد بشيء ولا احتضن خطتنا.

ولا أفهمني أنه مقبل علي تنفيذ نصيب الإخوان من الخطة..!

-هل كان معنا؟!

ولكنك لو سألتني حينئذ سؤالاً من هذه الأسئلة، لما استطعت أن أجيب عنه إجابة قاطعة، كما أستطيع أن أفعل .. اليوم فقد كان تأثيره الشديد في قد أبعد عن ذهني كل شك).

- هل وصل السادات لأي حاجة في مفاوضاته مع الإخوان والبنا ؟

ولا لأي حاجة !!

لا هم يتحركون كالعادة ولا يشاركون غيرهم حركة كالمعتاد !

أحسب أن السادات كان معجبا حتي الانبهار بحسن البنا مما يجعلني أعتقد أن ما فعله من فتح الباب بعد توليه الحكم لحركة الإخوان المسلمين ورهاناته علي مظاهر التدين ودولة العلم والإيمان مع بروز وتنامي الإسلام السياسي في حياته (الذي كان سببا في موته)، لم يكن هذا كله عملا سياسيا انتهازيا بضرب اليسار والناصريين وأفكار الاشتراكية بالإخوان وجماعتهم والتيار الإسلامي الذي صنعه السادات علي عينه في الجامعات المصرية، بل كان كذلك تعبيرا عن إعجاب السادات بالفكرة الدينية وتأثره بحسن البنا من جهة ومن جهة أخري تصوره المبني علي دراسة الواقع المصري أن الدعوة الدينية باب من أبواب الحصول علي الجماهيرية والشعبية فالأمر كله محصلة:

1- إيمان قديم بالفكرة الدينية 2-إعجاب معلن ومؤثر بحسن البنا 3-بحث عن زعامة مستندة إلي الإسلام 4- ضرب للتيارات والأفكار اليسارية.

يعود السادات وينقلب علي كثير من هذا منذ عقد الصلح المنفرد مع إسرائيل، ثم من جراء العداء الهائل تجاهه من الجماعات الإسلامية التي ساهم في بنائها ونشرها، ثم من خذلان الإخوان للسادات بالتخلي عنه أمام التيار الكاسح المعارض لسياساته، لكن انقلاب السادات لم ينفعه بل انتهي بمقتله في درس جديد للرجل أنه لا يمكن الرهان علي حلف مع الإخوان المسلمين وهو نفس ما ردده لنفسه وهو يصف موقف البنا في كتابه (صفحات مجهولة) : (إنه رغم عدم تقيده بأي وعد فهو معنا.. بقلبه ووجدانه وتفكيره.. وروحه أيضاً.

وكان أخطر ما أردت معرفته منه في تلك الجلسة، هو أن أعرف شيئاً عن استعداداته من حيث الأسلحة.. فقد كنت علي يقين أن الرجل يملك سلاحاً، وأنه يختزنه ويعرف كيف يخفيه.

وكانت مباراة بيني وبينه.. أنا أريد أن أعلم وأطمئن، وهو يباعد بيني وبين ما أريد مباعدة لبقة لا تكاد تشعر بها أبداً.

وفي جو الغموض والأسرار الذي كان يحوط نفسه به، ويحوط كل أعماله وكل جماعته، كان سهلاً عليه أن يقنعك بأنه يملك سلاحاً، وأن يقنعك بألا تسأل عنه أبداً.

وأن يقنعك بأنه أعد فعلاً جماعته للكفاح، وأن يقنعك بأن تحتفظ هذا سراً بينك وبين نفسك.

وأن يقنعك بأنه معتمد علي قوة كبيرة مخيفة مجهولة وأن يقنعك أيضاً بأن تؤمن بهذه القوة، دون أن تعرف عنها أي شيء).

هذه بعض صفحات أنور السادات المجهولة التي تحولت بقدرة ربنا إلي صفحاته المعلومة.. والغريب أنه لا أحد يريد أن يعلم عنها شيئا !

السبت، 9 يناير 2010

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود -- الحلقه العاشرة..الزوجة الثانية

■ جلست كثيرا أفكر فى الارتباط بها وكانت تحادثنى نفسى أحيانا: هل تريد تكرار المأساة لماذا تريد أن تتعذب فى نار الحب؟

■ استطاعت هى أن تبعد عنى عقدى تجاه النساء ولكنى بعد فشلى معها مثل من سبقتها اتجهت للعلم والدين

■ نعم كنت ومازلت أفضل العلم والدين على النساء حتى على راحتى ونفسى

■ العلم هذا هو الهدف والدين هذا هو الباقى

■ كنت دائما أسعى إليهما مهما كانت العواقب والتضحيات

مصطفى محمود

«لم يخضع قلبى لعملية إجهاض لفشلى فى الزيجة الأولى.. ولم يكن مصيرى الاختباء داخل غرفتى أو منزلى لمرورى بتجربة زوجية كان مقدرا لها النجاح ولكنها فشلت، مثلما يفعل الضعفاء من الرجال فى مثل هذه المواقف.. بل كنت أقوى بكثير مما تتوقعون، واجهت الانفصال الأول فى حياتى بدبلوماسية وهدوء لاننى كنت قد توصلت إلى القرار بعد تفكير عميق.. بعد أن أصبحت الحياة الزوجية مستحيلة لتبنيها للغيرة القاتلة» كانت هذه كلمات المفكر الكبير مصطفى محمود التى.. أطلقها وهو فى حالة من الشرود عندما تحدثنا معه عن تجربة الزواج الثانية فى حياته، فقد كانت أكثر أمانيه أن يتمتع بحياة أسرية وزوجية مستقرة.. فى هذه الفتره من عمره.. بعدما اكتمل عامه الستون..

كان يومه فى هذه الفتره مقسما إلى عدة أجزاء.. مابين علمه وإيمانه وأوراقه ومؤسسته الخيرية وبرنامجه وتطلعاته.. كانت عملية تفسير القرآن تأخذ منه ربع يومه الطويل الذى كان لا ينام فيه سوى ثلاث ساعات، وكان دائما يحاول الوصول منها إلى شىء لا يدركه.. ثم يترك القرآن ليغلق على نفسه سطح الجمعية ليراقب السماء، فمرصد مصطفى محمود دائما ما يحمل الجديد.. لا يستيقظ من تلك الساعات الذى يسبح فيها مع ملكوت الخالق إلا بعد طرق على الباب من أحد العاملين معه فى البرنامج «العلم والإيمان» لأن موعد التصوير حان..

وهكذا كانت تدور الحياة.. وكان يسأل نفسه دائما.. هل أنا سعيد؟؟ ألا ينقصنى شىء؟؟ وتركنا رده كاملا لنسمعه معا كما رواه لنا بالضبط: «لم تتحقق أمنية الاستقرار التى حلمت بها.. حلمت دائما بحياة أشبه بحياة أبى وأمى وطالما بحثت عنها طويلا.. قضية الغيرة مع سامية عرقلت هذا الحلم.. وفوجئت فى أحد الأيام بأننى أعيش وحدى بدونها.. وأخذت وقتا حتى تعودت على النظام الجديد.. كنت فى هذه الأيام بدأت حلما اسمه (الجمعية) كتبت آلاف الأوراق وسجلت عشرات الحلقات التى تتكلم عن العلم والإيمان وعرفت أن هناك خلاصة واحدة لاندماج الاثنين وتتمثل فى شىء اسمه (العمل).

طبعا أنتم عارفين انى مابحبش الاسماء الكبيرة المبهرة.. مثلا العمل يعنى إيه العمل ده.. العمل من غير كلام كتير إنك ما تنامش وتحلم، تقوم تفز وتشتغل والعالم كله يشوف إنتاجك.. وكانت دى بداية مشروع الجمعية والمؤسسة الخيرية.. دماغى مشغولة بميت حاجة.. وبنيت الجمعية واستقريت فى غرفة صغيرة فوق الجمعية مش محتاج حاجة من الدنيا إلا دى.. واطلقت عليها اسم التابوت .. بس هل كان ناقصنى حاجة؟؟»..

ولأن الحب الأول فى حياتى قد ذهب ضحية الغيرة- يقول مصطفى محمود- فقد ظللت اكثر من ثمانى سنوات صائما عن الزواج لدرجة ان اصدقائى المقربين اطلقوا على جملة اصبحت بعد ذلك على لسان القريب والبعيد وهى «درش عنده عقدة الحريمات» ولكننى بعد تفكير عميق وطويل تطلب منى عزلة استمرت لعدة أشهر أفكر فى الأمر وأقرأ كل الكتب السماوية والتفاسير والأحاديث النبوية لأتوصل إلى حقيقة المرأة وكيف يمكن السيطرة عليها.. إلا أننى أوقفت التفكير فى كيفية السيطرة عليها عندما قابلت زينب..

وزينب قابلتها عام ١٩٨١، تعرفت عليها داخل مجلة صباح الخير أثناء نقاش دار بينها وبين مفيد فوزى وإيهاب وبعض الأصدقاء حول لغز الحياة والموت وظللت أستمع لها دون تدخل ثم استأذنت منهم جميعا وناقشتها بعد ذلك بنفسى واقتنعت بها وأعجبت بشخصيتها القوية.. كان لها أفكار غير الأفكار التى أقابلها كل يوم.. وقمت بدعوتها بعد ذلك لزيارة الجمعية والمسجد لترى الانشاءات الجديدة.. وعندما حضرت اعطيتها مجموعة كتب وكتبت لها إهدائى عليها وكانت هى فى ذلك الوقت تعمل مأمورة ضرائب ولكنها كانت مثقفة دينيا وكانت محجبة.. ولديها موهبة الخطابة.. وحساسة وجلست كثيرا أفكر بالارتباط بها وكانت تحادثنى نفسى أحيانا: هل تريد تكرار المأساة فهذه هى المرأة التى أخرجت آدم من الجنة؟

ولكن إعجابى بها كان اعجابا أكثر من إعجابى بأنثى فهو إعجاب بأنثى وفكرة.. واستطاعت هى أن تبعد عنى عقدى تجاه النساء وعلى الفور صارحتها بما يحوى قلبى من مشاعر حب تجاهها ولكنى لم أبلغها بأنى أعد لها مفاجأة وهى أننى قررت التقدم لطلب يديها من أسرتها.. دعوت نفسى على العشاء فى بيتها فى ليلة ما..

وللمصادفة كان اليوم الموافق يوم المولد النبوى وبعد العشاء وبينما أحتسى الشاى مع أخيها أحمد ووالدتها طلبت يدها بمنتهى الرقى والبساطة والهدوء وكانت مفاجأة بالنسبة لها فلم أخبرها كما ذكرت ولكنها قبلت على الفور وكانت سعيدة جدا ورحبت أسرتها بطلبى وكان وقتها فارق السن بيننا كبيرا فقد كانت هى فى الخامسة والثلاثين من عمرها بينما أنا فى الستين من عمرى، ولكنى لم أكن خاضعا للشيخوخة التى تهاجم من هم فى مثل عمرى ولم تكن هذ ه السن حاجزا بيننا..

ومن هنا أيقنت أنها تريد تحقيق الهدف الذى اجتمعنا عليه وهو العطاء بلا حدود وبلا انتظار مقابل، وكان يتمثل هذا الهدف فى «جمعية محمود الخيرية الإسلامية» التى كنت اتخذت قرار انشائها منذ زمن بعيد ولكنه لم يترجم بشكل صحيح إلا حينما ارتبطنا سويا فأصبح هناك اتحاد بيننا، وبالفعل ورغم كل الصعاب الأمنية التى واجهتها من تجسس على التليفونات من الأجهزة الأمنية ومراقبة بشكل دائم إلا أننا انتصرنا على كل هذه الصعاب وقمنا بافتتاح الجمعية فى عام ١٩٨٢.

وكان لشقيقى مختار الذى تولى منصب محافظ الدقهلية دور كبير فى تأسيس الجمعية فى بدايتها.. ومثلما تقدمت إليها يوم المولد النبوى كنت أريد أن أتزوجها فى أقدس بقاع الأرض.. وتحققت رغبتى فتزوجتها فى المدينة داخل المسجد النبوى رغم أننى كنت أريد زواجها فى مكة داخل الكعبة إلا أن هذا كان القدر وقد احتوى نص وثيقة الزواج على الآتى:

«بسم الله الرحمن الرحيم.. المملكة العربية السعودية وزارة العدل.. الصكوك الصادرة من المحاكم الشرعية.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين وبعد، فبالجلسة الشرعية التى عقدت لدى أنا عبدالله محمد إبراهيم الرئيس المساعد لمحاكم منطقة المدينة المنورة والتحية لرئيسها فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن آل صباع بناء على الطلب المقدم من زينب بنت حسين حمدى المصرية الجنسية بجواز رقم (١٧٤٦ فى ٢٦/٤/١٩٧٧م والمصرح لها بالإقامة برقم ١٠٤٣/٣ فى ١٨/١/١٤٠٢هـ) وبناء على إقرار الدكتور مصطفى كمال محمود حسين المصرى الجنسية بالجواز رقم (٢٢٣٠١ فى ٩/٧/١٩٨١م والمصرح له بالإقامة برقم ١٠٤١/٣ فى ١٨/١/١٤٠٢هـ) وعلى صك الطلاق الصادر من محكمة الزيتون فى بركة المسبح القاهرة برقم ٤٧٥ فى ٧/٤/١٩٧٩م وعلى شهادة كل من مروان عمر قصاص ومحمد هاشم رشيد المعدلين وفى الأصول الشرعية ثبت لديه أن زينب بنت حسين حمدى لم تتزوج بعد أن طلقها زوجها فتحى حسين حسن...

وأن الخاطب الدكتور مصطفى المذكور كفء لها وأن الصداق مبلغ أربعة آلاف ريال سعودى هى صداق مثلها وأنه لا ولىّ لها بالمملكة العربية السعودية وبناء على طلبها تم إجراء عقد زواجها من الخاطب الدكتور مصطفى كمال وصداقه الراتب المذكور وبناء على توفر الشروط وانتفاء الموانع فقد جرى عقد نكاح الدكتور مصطفى كمال محمود المذكور على زينب بنت حسين حمدى على الصداق المذكور بواسطة المأذون الشرعى أمين مرشد بتاريخ ٤/٢/١٤٠٢هـ بشهادة كل من السيد محمد هاشم رشيد وجمال محمد هاشم رشيد وما هو الواقع حرر من الضبط السادس لسنة ١٤٠١هـ وصحيفة رقم ٩٨ فى اليوم الخامس من شهر صفر الأخير من أيام ألف وأربعمائة واثنين من هجرة من له كمال العز ونهاية الشرف سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم».

ثم واصل الحديث قائلا: كنت أنا ثالث زوج لها وكانت هى ثانى زوجة لى وتذكرت فى هذه اللحظة أن والدى أيضا كان ثالث زوج لأمى وعاش معها فى حياة مستقرة وجميلة، وحدثت نفسى بأنى سأنعم بنفس ما وصل إليه أبى رحمه الله من استقرار أسرى، فقد كنت أعتقد أنى شديد الشبه له فى ملامحى الشكلية وفى حظى، وما شجعنى للارتباط بها سريعا مسألة الدين ورغبتها فى أن تفكر فى نفس الهدف وتريد أن تكون معى شريكة هدف نصل إليه معا فقد كنت فى أشد الاحتياج لمن يقف بجانبى ويشجعنى على ما أقوم به فى وقت كان ينتقدنى الجميع فى تصرفاتى، معتقدين أننى عندما أهب حياتى وأنفق أموالى فى سبيل الله فإننى قد أصبت باضطراب عقلى.

ووجدت أن هذه الإنسانة ستقف بجانبى وعرفت أنه لابد من إنسانة تشاركنى فى رحلة الحياة التى ستكون جافة دون امرأة وهذا الزواج استمر أربع سنوات فقط وكان الطلاق لأنها لم تستطع أن تثبت ما قالته واتفقنا عليه بأن نهب حياتنا لله، واكتشفت أنها إنسانة مثلها مثل باقى بنات حواء، كانت امرأة تريد أن تخرجنى من الجنة.. تريد أن تعيش الحياة بما تحويه من نعم وفسح ورحلات للخارج قد اتفقنا أنها من المحذوفات من قاموسنا، وكانت حياتى قاسية جدا عليها فكيف تعيش معى فى حجرة فوق سطح جامع.

وهنا غرق مصطفى محمود فى موجة من الضحك وهو يقول: لقد كنت أعلق على باب هذه الحجرة لافتة مكتوبا عليها «التابوت» يعنى نعيش فى مقبرة ولهذا لم تتحمل حياتى الميتة.. فالحياة أصبح لا معنى لها فى نظرها، مع أنها كانت تعلم ذلك من الأول بل بالعكس قالت إنها تحب بشدة هذه الحياة الدينية وحياة الزهد ولكنها فى النهاية امرأة عادية تريد أن تعيش زوجة لكاتب كبير.

كانت تعتقد أنها متزوجة من أحد الكتاب المعروفين وتحلم بأن تقضى رحلاتها فى باريس ولندن وأوروبا وتعيش حياة مرفهة وليس فى حجرة على سطح جامع مكتوب عليها «التابوت»، وطبعا كان لها أولادها من زوجيها السابقين ثلاثة أولاد كنت أعاملهم مثل أبنائى تماما وأحسست بعد مرور عام على زواجنا أن كلا منا يدور فى فلك مختلف تماما عن الآخر وأيقنت أن «زينب» نسيت الهدف الذى جمعنا سويا ولم تعد تفكر فيه وتم الانفصال فى عام ١٩٨٤ وجاء قرار انفصالنا بعد فترة من التفكير من الطرفين وعن اتفاق، فقد كان انفصالنا مهذبا ومحترما كما كان زواجنا، وقد حدث الانفصال بعد رحلة استجمام فى سانت كاترين... وقد حملت وثيقة الطلاق النص التالى:

«إشهار طلاق صدر عن يد المأذون... رقم الدفتر ٢٣٥٨٦٨ صفحة ٩... أنه فى يوم السبت الموافق ٦ من محرم سنة ١٤٠٦هـ الموافق ٢١ من سبتمبر ١٩٨٥م الساعة الثامنة مساء بحضورى وعن يدى أنا أحمد أمين السيد خليل مأذون الزمالك التابع لمحكمة عابدين للأحوال الشخصية وبمكتبى ٣٥ ش نوبار بعابدين حضر الرجل الرشيد مصطفى كمال محمود حسين ابن السيدة زينب حسن الحكيم ومهنته صحفى بروزاليوسف مصرى مولود ٢٥/١٢/١٩٢١ شبين الكوم ومقيم ٣ مسجد محمود ميدان جامعة الدول العربية ويحمل بطاقة ١٣٦٦٠ فى ١/٥/١٩٦٣ قسم الدقى ومعه وثيقة زواجه بزوجته مدخولتى السيدة/ زينب حسين حمدى بنت السيدة/ نفيسة محمد سيد أحمد مأمورة ضرائب مصرية مولودة ١٧/١٠/١٩٤٦ القاهرة ومقيمة ٨ شارع النويرى مربع ١٠٥٠/٤ بمصر الجديدة وتحمل بطاقة ٤١١٦٠ فى ١٥/١٠/١٩٧٢ النزهة،

ومحل قيد أسرة الزوج شبين الكوم شياخة الدقى رقم ١٠٢١٩ قسم الدقى والثابت زواجهما بتاريخ ٤/٢/١٤٠٢هـ صفحة ٩٨ عملية الشيخ أمين مرشد التابع لمحكمة المدينة المنورة، وبعد تعريفة المعرفة الشرعية وبشهادة كل من حسن عبد الله مرسى موظف مصرى مولود ١/٥/١٩٣٨ المنيا ومقيم ٣٧ شارع نوبار بعابدين بطاقة ٣٢٩٣٤ فى ١/١٠/١٩٧٤ عابدين ، أيمن أحمد خليل طالب مصرى مولود ٣١/١٢/١٩٥٩ لبيشة ومقيم لبيشة مركز أشمون منوفية بطاقة ٥٤٣٦٨ فى ٤/٢/٧٧ أشمون...

وأمامهما أنشأ الزوج المذكور طلاق زوجته المذكورة بقولة زوجتى مدخولتى السيدة/ زينب حسين حمدى الغائبة عن هذا المجلس طالق منى وعرف أن هذا هو الطلاق الأول بعد الدخول بها فطلقت منه أولى رجعية، له مراجعتها ما دامت فى العدة دون إذنها أو رضاها، وقد تعهد بإخطارها بهذا الطلاق الرجعى الأول للحضور لمكتبنا لاستلام شهادة طلاقها، وقد حررت هذه الشهادة من أصل وثلاث صور سلمت إحداها للمطلق والثانية إلى المطلقة والثالثة إلى السجل المدنى».

ولتأثرى الأشد قسوة بفشل علاقتى الزوجية الثانية والتى انتهت دون إنجاب أطفال قمت بعدها بكتابة‏‏ مقال قلت فيه: «لقد قررت‏ ‏بعد‏ ‏الفشل‏ ‏الثانى‏ ‏أن‏ ‏أعطى‏ ‏نفسى لرسالتى وهدفى كداعية‏ ‏إسلامى ومؤلف‏ ‏وكاتب‏ ‏وأديب‏ ‏ومفكر‏ ‏وقد‏ ‏اقتنعت‏ ‏تماما‏ ‏بأن‏ ‏هذا‏ ‏قدرى ‏ورضيت‏ ‏به‏». ‏ومنذ‏ ‏هذا‏ ‏الحين‏ ‏وأنا‏ ‏أعيش ‏فى جناح‏ ‏صغير‏ ‏بمسجدى بالمركز‏ ‏الإسلامى، ثم انتقلت إلى شقتى بعد ذلك عندما اشتد المرض وكنت دائما أغرق‏ ‏وحدتى فى العمل.

‏وتعودت‏ ‏أن‏ ‏أعطى ظهرى لكل‏ ‏حقد‏ ‏أو حسد‏ ‏ولا‏ ‏أضيع‏ ‏وقتى فى الاشتباك‏ ‏مع‏ ‏هذه‏ ‏الأشياء‏ ‏وأفضل‏ ‏أن‏ ‏أتجنبها‏ ‏وأتجنب‏ ‏أصحابها‏ ‏حتى‏ ‏لا‏ ‏أبدد‏ ‏طاقتى فى ما‏ ‏لا‏ ‏جدوى‏ ‏وراءه‏ .. وكانت انتصاراتى على‏ ‏نفسى هى أهم‏ ‏انتصارات‏ ‏فى حياتى وكانت‏ ‏دائما‏ ‏بفضل‏ ‏الله‏ ‏وبالقوة‏ ‏التى أمدنى بها‏ ‏وبالبصيرة‏ ‏والنور‏ ‏الذى نور‏ ‏به‏ ‏طريقى.

ولذلك كان الحب معرضا فى كل مرة للقتل لأن النساء تصورن أن القرب منى نعيم الدنيا ولم يفكرن بأن غايتى هى نعيم الآخرة، وأيقنت بأن الحب فى طبيعته قصير العمر، فإن لم ينته بيدك أو بيد محبوبك فهو ينتهى بالطعن فى السن والزهد فى الشهوات، واكتشفت أيضاً أن الحب الوحيد الباقى طويل العمر هو علاقتى بالله سبحانه وتعالى خاصة إذا ما ترجمت هذه العلاقة فى أفعال تحس، ولذلك فإن حبى للناس يمكن أن يكون فى الله أيضاً.

وعرفت أنه من الصعب الآن أن أجد الحب النادر مثل الذى كان بين النبى صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة رضى الله عنها التى أعطته نفسها ومالها وصحتها وعمرها بكل سعادة، وهذه نماذج نادرة بل نادرا ما يجد الإنسان شخصا يفنى معه فى الهدف، أيا كان فقد تلقيت دروسا طويلة وعميقة وعرفت حدود هذا الحب. ثم إن مشكلة المرأة أنها تستنزف منك شيئا غاليا جدا هذا الشىء اسمه الاهتمام وهذا أغلى ما يملك الإنسان، لأنه الطاقة النفسية البحتة، وحين تحب وتنشغل وتسهر فإن هذا الانشغال هو ضياع الهمة لأن همتك تصبح حينئذ فى المحبوب ويضيع منا أغلى ما نملك..

وظل مذهبى منذ تلك اللحظة فى الحياة هو أن أقاوم ما أحب وأتحمل ما أكره باعتبار أن الحب الحقيقى الباقى هو حب الله سبحانه وتعالى أما الحب والهوى فهو خداع والذى جرب يعرف ذلك جيدا.. يسهر وينشغل. ولكن الآن طغت المادية بشكل كبير على العالم فعلى الرغم من أن باريس ولندن ونيويورك عواصم النور والحضارة إلا أنها تحولت إلى بلاد العلاقات الجنسية المنحلة والشذوذ والمخدرات والهيروين، فالرجل متزوج وله أكثر من عشيقة وزوجته لها أكثر من عشيق، فقد سيطر الإحساس باللذة والمتعة على حياة الناس وأصبحت حياتهم نوعا من الأخلاق القرودى وتحولت حياتهم من الرقى والسمو إلى الانحلال والفجور.

وأخيرا كنت أنظر إلى نفسى فى المرآة وأدقق فى النظر إلى ملامحى وبنيانى وأقول: لماذا دائما تفشل علاقات الحب والزواج الموجودة فى حياتى؟ لقد فشل الحب الأول «عديلة» فى مهده وأنا صغير بسبب ضعفى أمام مجموعة من الصبية، وهنا أتساءل هل لأنى كنت دائما أفضل الفكر والعلم والدين على الحب، واجد الإجابة.. نعم كنت أفضل العلم والدين حتى على راحتى ونفسى فهذا هو الباقى وهذا هو الهدف الذى كنت دائما أسعى إليه مهما كانت العواقب والتضحيات التى تبذل فى سبيل ذلك الهدف السامى والنبيل.

.. ولقد تزوجت مرتين وفشلت فى الزيجتين وربما هما معذوراتان لأن لدى مشكلتين فبجانب مسألة الطبيب والكاتب والفيلسوف والإعلامى والمفكر والمؤلف هناك أيضا أمر أصبح مشكلة فى تلك الفترة وهو أننى الذى أخطط لكل شىء فى حياتى، لم أخطط أننى سأصبح فى يوم من الأيام صاحب رسالة.. بالفعل أصبحت أحمل رسالة للجميع.