Powered By Blogger

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 31 ديسمبر 2009

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود -الحلقه السابعة.. وثيقة التكفير

■ حينما خطوت أول خطوة وأنا داخل المجلة لمحتها.. لمحت تلك النظرة المرتبكة المدفونة فى الأرض.. الكل (حارس الأمن.. الموظفون.. الزملاء) يحيوننى فى ارتباك.. وهم ينظرون فى الأرض.. فقد كانت سكرتيرة إحسان عبدالقدوس تنظر لى نظرة ممتقعة وهو بنفسه دافن نظراته بين أوراقه لا ينظر إلىّ مباشرة

■ الصدمة أصابت الكل.. أول حركة تكفير يسمع عنها الناس فى القرن العشرين.. هل تعلمون من هو أول من صدم.. الشيخ حسن مأمون.. صاحب الفتوى نفسه.. فالأزهر الشريف لم يكن هو أزهر اليوم.. كان إمام الوسطية العالمى عندما اعترضوا عليه وعلى أفكارى لم يذكروا اسمى فى نص الفتوى بل كل ما ذكروه عنى هو الأستاذ (م. م) وسمونى الدكتور المتعلم.. لأنهم لا يريدون تعبئة الناس ضدى.

مصطفى محمود

التشرذم.. المعاناة.. الاكتئاب.. الاعتقال.. النفى.. الحجب.. انتهاك جميع الحقوق كل هذه تعبيرات أطلقها المفكر الكبير مصطفى محمود على فترة حجبه عن الكتابة وحرمانه من الحرية والتحليق فى سماء بلاط صاحبة الجلالة.. وقال.. أصعب ما يقابله الكاتب أن ينساه جمهوره.. لا يفرق معك المال أو الشهرة.. القهر كل القهر هو أن تجد نفسك قد اصبحت منسيا.. تصبح كالعارى.

كان مصطفى محمود لا يريد أن يطيل الكلام عن عهد الناصرية أو الناصريين بالمرة.. فقد ذكرنا عدة عشرات من المؤلفين والمؤلفات تناولت هذا العصر باستفاضة.. فمنهم من جعل من ناصر نبيا ومنهم من رماه بكل لعنات الأرض..

أما مصطفى محمود فيقول إن هذا لا يهمنى فى شىء فالأنظمة فى مصر غالبا ما تبدو قوية جدا من الخارج لكن الحقيقة أنها من الداخل كيان ضعيف جدا.. هى قوية على اهل مصر.. ولا أريد أن أقول إنها ضعيفة أمام العالم الخارجى.. لأن العالم الخارجى عموما لا يعرف بوجودنا.. ليس لا يعترف بنا بل لا يعرف.. وإن كان يعرف عنا شيئا فهى صورة البدوية التى تحمل جرة أعلى رأسها والبدوى الذى يرتزق من حملهم فوق النياق ليلهوا أمام الأهرامات يتصورنا بدوا مازلنا نعيش فى خيام ونرعى الأغنام ونعيش فى الصحراء.

هنا ينهى هذا العهد بنشر الوثيقة التى ادعى البعض أنها كفرت الدكتور مصطفى محمود.. نشروا اتهامات بالتكفير.. وقالوا إنها اقتطفت من نص فتوى الأزهر فى كتابه (الله والإنسان ).. الأمر الذى حشد وجيش اللاعنين فى حقه.. لم يذكر أحد الحقيقة.. ولم يعرفها أحد حتى الآن.. فتزييف الحدث «كان حريقة».

الصدمة أصابت الكل.. أول حركة تكفير يسمع عنها الناس فى القرن العشرين.. هل تعلمون من هو أول من صدم.. الشيخ حسن مأمون.. صاحب الفتوى نفسه.. فالأزهر الشريف لم يكن هو أزهر اليوم.. كان إمام الوسطية العالمى عندما اعترضوا علىّ وعلى أفكارى لم يذكروا اسمى فى نص الفتوى بل كل ما ذكروه عنى هو الاستاذ (م. م) وسمونى الدكتور المتعلم.. لأنهم لا يريدون تعبئة الناس ضدى.. ليست هذه وظيفة الدين أو الازهر أو لجنة الفتوى.

هناك سؤال سيفرض نفسه بعد قراءة هذه الوثيقة.. والتى كانت لجنة الفتوى بالأزهر أكثر رقة مما كنت اتصور فيها .. من وراء الهجوم الذى لاحقنى؟؟ وهذا السؤال سأنهى به هذا العهد تماما.. وفى هذه الوثيقة ستجدون رأى فتوى هيئة علماء الأزهر فى كتابى الأول الذى أثار الجدل والضجة والذى سبق أن ذكرت فى حلقات سابقة أننى تراجعت عنه بعد أن وصلت لليقين الإلهى.

( الآتى نص فتوى ورأى علماء الأزهر فى كتاب الله والإنسان حرفيا كما هى محفوظة داخل مجمع البحوث):

« سؤال: من الأستاذ: م.ح.أ بطلب قيد برقم ١٣٥٧ سنة ١٩٥٧ يرغب فيه منا أن نطلع على كتاب (الله والإنسان) ونبدى رأينا فيه.

أجاب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده . وبعد:

فقد اطلعنا على هذا الكتاب الذى ألفه الدكتور (م.م) وأخرجه فى مارس سنة ١٩٥٧ بعد أن نشر بعض فصوله فى مجلة روزاليوسف. ونظرا لأن هذا الكتاب قد أثار ضجة كبيرة.

وطلب منى الطالب بصفته ممثلا لمجمع البحوث العلمية، وجماعة البر والتقوى إبداء رأيى فيما نشر بمجلة روزاليوسف من الكتاب، وفى الكتاب نفسه بعد طبعه وتوزيعه على القراء.

وقد قرأت هذا الكتاب من أوله إلى آخره قراءة هادئة غير متأثر بما أثير حوله، لأننى لا أحب أن يصدر حكمى عليه فى جو عدائى له أو جو تسيطر عليه فكرة سيئة عنه.

ولذلك أجد من الإنصاف أن أقول: إن الكاتب عنى فى كتابه بتمجيد العقل والعلم والحرية، وإظهار أثرها فى تقدم الفرد والأمة. ولا جدال فى أن الدين الإسلامى قد سبقه إلى ذلك فقد عرف للعقل قيمته وقدره. وطالب الناس بالتفكير فى خلق الله، وبالنظر والاعتبار، ونجد آيات القرآن الكريم حافلة بذلك.

كما أنه دعا إلى العلم بكل ما يحتاج اليه الإنسان فى حياته وفى مماته، وكل ما يرفع شأن البشرية، ويحقق على الوجه الأكمل معنى خلافة الإنسان عن الله فى أرضه، يعمرها ويستخرج كنوزها ويفيد من كل ما وضع الله فيها، وأيضا فإن الإيمان الذى فرضه الإسلام وسائر الأديان السماوية.

وهو الإيمان بأن للعالم إلها واحدا هو الله سبحانه وتعالى وهو المستحق وحده للعبادة والذى يستعان به ولا يستعان بغيره فى كل شؤون الحياة يحقق معنى حرية الإنسان فى أسمى صورها وأعلى مراتبها. فالمؤمن. إيمانا صادقا لا يكون عبدا لغيره، ولا عبدا لشهواته، ولا لأى شىء آخر سوى الله سبحانه وتعالى الذى خلقه وخلق كل شىء.

فدعوة الكتاب إلى تخليد العقل والعلم، وإلى أن يفكر الإنسان تفكيرا حرا مستقيما، دعوه لا ننكرها عليه، ولا ينكرها الدين الإسلامى. فما جاء فى آخر الكتاب من الدعوة إلى أن يتكاتف السياسى اليقظ والمفكر الحر ورجل الدين العصرى إلى أن يكونوا فى توثب دائم ليكسروا الدروع السميكة حول أعدائنا، ويمزقوا عن وجوههم القبيحة النقاب لاشىء فيه وهو مما نوافقه عليه.

غير أن الكتاب لم يخل من أخطاء لا نستطيع أن نمر عليها بدون إبداء رأينا وعلى الأديان كلها هجوم واضح نلمسه فى كتابه فى كثير من المواطن.

واعتقد أن هذا الكاتب وأمثاله لم يقعوا فيما وقعوا فيه من خطأ إلا لأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء دراسة الأحكام التى دعا الإسلام الناس إلى اتباعها بدليل أنى لم اجد فى كتابه شيئا منسوبا للدين يستحق أن ينتقد أو يزدرى وسنذكر بعض الأمثلة من خطاه الذى لا نقره عليه بل إننا نعتقد أنه لو راجع نفسه لا يقر هذا الخطأ.

ص ٢٤

(والطريقة العصرية فى بلوغ الفضيلة ليست الصلاة، وإنما هى الطعام الجيد والكساء الجيد، والمسكن الجيد. والمدرسة والملعب والموسيقى).

ص٢٦

( لقد صنعنا الصلاة على المذاهب الأربعة ولم يبق إلا أن نجرب الطعام الجيد)

وهذا من أمثلة الخطأ.. فهو خطأ فاضح فليس من الإنصاف أن يقول كاتب: إننا صنعنا الصلاة، فالصلاة لم يصنعها الإنسان، وانما أمر بها الله ولا أدرى ما الذى دعاه إلى مثل هذا التهجم على أوامر الله إنكار فائدتها أولا، وبنسبة صدورها لا إلى الله بل إلى الناس ثانيا. ولو قال بدل هذه العبارة أننا امتثلنا إلى أوامر الله بالصلاة وذقنا أثرها وحلاوتها فى صدورنا فلنضف إليها أيضا ما تحتاج إليه أجسامنا ومقومات حياتنا لنكون أقوياء بإيماننا وبأجسامنا وأرواحنا حتى نستطيع أن نواجه عدونا بهذه الأسلحة مجتمعة.

ص ٥٤

تهجم على الأديان

والأديان سبب من أسباب الخلط فى معنى السعادة لأنها هى التى قالت عن الزنى والخمر لذات وحرمتها فتحولت هذه المحرمات إلى أهداف يجرى وراءها البسطاء والسذج على أنها سعادة، وهى ليست بسعادة على الاطلاق .

ليحفظ للواقع: أن الدين وهو يحرم بعض ما يشتهيه الإنسان ويلذ له إنما يحرمه للضرر الذى يعود عليه من الجرى وراء ملذاته فقد حرم الخمر ليحفظ للناس عقولهم.. وحرم الزنى ليحملهم على الزواج والتناسل فيحفظ بذلك النوع الإنسانى على أكمل وجه ويقيه شر الانحلال والانقراض والانهيار.. هذه هى الحقيقة التى ما أظن أن الكاتب غفل عنها ولكنه مع هذا يخطئ فى التعبير فيقول: إن الأديان سبب من أسباب الخلط فى معنى السعادة وأن السعادة ليست تحررا بحيث يفعل الإنسان كل ما يريد وكل ما تشتهيه نفسه ولو كبه ذلك على وجهه وأوقعه فى الهلاك.

ص ١١١

الله فكرة، أنه فكرة فى تطور مستمر كما تدل على ذلك قصة تطور الأديان.. وفى فقرة أخرى يقول (وشريعة هذا الدين- أى الذى يدعو إليه- بسيطة جميلة وهى الولاء للحياة).

يقول المفتى.. الكاتب هنا يطعن فى الذات الإلهية فيتحدث حديثا ما كان واجبا أن يتحدث بمثله.. ويضيف.. لا أيها الكاتب المتعلم تعليما جامعيا ليس الله فكرة كما تقول، وإنما سبحانه وتعالى ذات منزهة عن صفات الحوادث ومتصفة بجميع صفات الكمال، وهو الذى خلقك وخلق كل ما تراه حولك فليس الله فكرة متطورة كما تقول وليست الأديان قصة كباقى القصص التى لا أصل لها وانما الأديان السماوية حقيقة أيدها الله سبحانه وتعالى بالمعجزات، التى أجراها على أيدى رسله.

ص١٨

أنا فتحت عينيى فى يوم لأجد نفسى وحيدا وإلى جوارى مصحف وحجاب لمنع الفقر.

ويقول المفتى عن القرآن الكريم.. إن هذه المعجزة معجزة خالدة باقية.. عجز العرب وغيرهم أن يأتوا بمثلها.. وهى القرآن الكريم.. فالمصحف الذى وجدته ولا يمكن لمثلك أن يكون بعيدا عنه هو المعجزة التى يكفيك أن تقرأه وتمعن النظر فيه لتعرف الأسس التى تضمنها، والتى لو عمل بها الفرد وعملت بها الأمة لتحقق الفرد الصالح والأمة الصالحة، ولما صار الشرق كما نراه الآن بعيوبه وبضعفه، فإن الإسلام لا يعرف الضعف والضعفاء ولا يعرف السعادة التى يحققها حجاب أو دعاء.. كما تريد أن تلمز به الإسلام بحملك الحجاب مع المصحف، فلا يوجد فى الشريعة الإسلاميه حجاب يمنع الفقر أو يجلب السعادة وإنما يوجد عمل دائب مستمر لتحقيق معنى السعادة الحقيقية..

السعادة المؤسسة على قوة المادة وقوة الروح معا، ولعلك لو تحدثت عن الشرق وقد استحال أمره إلى أن يكون له جيوش ومصانع وطيارات، وغير ذلك مما يوجد فى الغرب، الذى لا يحول الإسلام بينه وبين أن يبلغه لما كان حديثك عن الإسلام هذا الحديث المتأثر بحالة الشرق الآن تأثرا دعا إلى أن تمجد المادة التى وصل إليها الغربيون التى لم يصل إليها الشرق بعد لا لأن الدين قد حال بينه وبين بلوغه، ولكن الاستعمار الذى رزخ على صدر الشرق والشرقيين فى القرون الأخيرة هو السبب الأكبر فى ذلك».

ص ١١٩

فلا محل لافتراض فى بقاء آخر روحانى لهذا الترابط المادى البحثى.. إنها نهاية طبيعية إذن.. أن يبعث الإنسان حيا بعد الموت هو والدودة التى فى بطنه والقملة التى فى رأسه فهذه تعنى روحية الأديان.

وفى فقرة أخرى «أن دعوى الخلود الشخصى لا يسندها العلم ولم تعد تسندها الضرورات الاجتماعية القديمة».

كانت هذه الدعوى العريضة التى يدعيها الكاتب فى كتابه ويقول عنها دعوى الخلود الشخصى لا يسندها العلم.. لم يقل لنا اسم العلم الذى ينكر الحياة الآخرة اللهم أن يكون قولا لبعض العلماء المتطرفين، الذين مجدهم الكاتب فى أثناء كتاباته أما العلماء الذين بحثوا فى أصل الإنسان، وعرفوا عظمة الله وقدرته فيما كشفوه عن بعض آثارها فى الأرض والسماء، فما أظن أنهم ينكرون الحياة الثانية أو ينكرون وجود الله وقدرته وعظمته.

ص١٣١

إن الله ليس فوق الجدل.. وليس فوق العقل.. وليس فوق الواقع.. إن الله هو العقل وهو الواقع، وهو مجموع القوى الكونية التى تعمل خيرنا فى كل وقت، وهو قوى تقبل المراجعة والتفكير والبحث والتطوير.

هنا إنكار الله بتعبيرات ضعيفة لا يسندها منطق ولا دليل ولا شبة دليل ما الذى يريده الكاتب من هذه العبارات؟ هل يريد أن يوحى إلى قارئيه بأن الكون الذى يعيش فيه ويعيش فيه الناس خلق هكذا دون خالق؟ وهل العقل الذى يمجده ويقول إنه هو الله الذى أوجد هذه المخلوقات كلها، وإذا كان العقل هو الموحد كما يقول فلماذا وجد عند قوم وكان ضعيفا ومعدوما عند آخرين.

دعاء المفتى للكاتب

نسأل الله لهذا الكاتب وأمثاله الهداية والرجوع إلى الحق ـ فإن الرجوع إلى الحق فضيلة.. والله أعلم»

والآن بعد أن خرجت هذه الوثيقة لأول مرة أحب أن أنوه إلى أننى لم ألق عليها أى نظرة.. منذ أن خرجت حتى قريبا.. لدرجة أننى توقعت صدق ما قيل.. لم أمسكها بيدى أو أعرف محتواها إلا عندما كلمنى الشيخ جاد الحق على جاد الحق.. وأعطانى نسخة منها.

■ هل تعلمون ما الشىء الكريم فى هذه الفتوى؟.. وفى صاحبها؟

- حسن مأمون «١٨٩٤ إلى ١٩٧٣» الذى كان أبوه إمام مسجد الفتح بقصر عابدين، وكان حسن مأمون ملما بالثقافتين العربية بالإضافة إلى الفرنسية وكان إمام أو رئيس «دار الإفتاء منذ ١٩٥٥ إلى ١٩٦٤، ويذكر أنه خلف الشيخ شلتوت فى مشيخة الأزهر.

■ هل تعلمون ماهو العجيب؟

- إن المفتى ذكر ما يتفق فيه معى قبل ذكر الاختلافات.. إضافة إلى أن الفتوى لم تذكر أى اتهامات بالتكفير أو التفسيق أو التبديع أو عنف لفظى ضد الكاتب رغم «ظهور افتراءات زعم نقلها من نص الفتوى، التى ذكرت بالكامل ورقمها هو ١١١٦ وبعنوان رأى الإفتاء فى كتاب الله والإنسان.

لم تنشر الفتوى وقتها أبدا لعدم التشهير حتى إنهم ذكروا اسمى بالدكتور مصطفى بحرفين «م.م»

وهنا نلاحظ ما يحدث الآن من مهاجمة بعض المؤلفين المغمورين فيجعلون منهم نجوم مجتمع، ويقبل الناس على شراء كتاباتهم التافهة.

لم تذكر الفتوى أى دعوى بمصادرة الكتاب، ولم تطلب ذلك بل اكتفت بمناقشتى وأفكارى والسؤال النهائى الذى يلقى بنفسه إذا كان موقف الأزهر ودار الإفتاء يظهر واضحا من خلال هذه الوثيقة.. فمن وراء كل دعوات التكفير التى هاجمتنى.. ودعاوى الزندقة التى هاجمتنى طوال عقد من الزمان؟

الأحد، 27 ديسمبر 2009

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود -الحلقه السادسة.. محاكمة الناصرية

■ إن غروب الشمس وانسدال العتمة فى حنان والنظام المحكم الذى يمسك بالنجوم فى أفلاكها وإطلالة القمر من خلف السحاب وانسياب الشراع على النهر وصوت السواقى على البعد وحداء فلاح لبقراته ونسمات الحديقة تلف الشجرات التى فضضها القمر كوشاح من حرير، إذا اقترنت هذه الصورة الجميلة من النظام والتناسق بنفس تعزف داخلها السكينة والمحبة والنية الخيرة فهى السعادة بعينها، أما إذا اقترنت هذه الصورة من الجمال الخارجى بنفس يعتصرها الغل والتوتر وتعشش فيها الكراهية وتنفجر داخلها قنابل الثأر والحسد والحقد ونوايا الانتقام فنحن أمام خصومة وتمزق وانفصام، نحن أمام هتلر لا حل له إلا أن يخلق حرباً خارجية تناسب الحرب الداخلية التى يعيش فيها، نحن أمام شقاء لن يهدأ إلا بأن يخلق شقاء حوله

مصطفى محمود

لم يستطع مصطفى محمود أن ينسى أيام العزلة.. أيام النفى.. رغم مرضه الشديد، لايزال يتصفح أوراق الحياة التى انطوت ويتذكر أيام الشباب التى ولت.. أيام من ربيع العمر.. فقبل أن يتكلم تنهد تنهيدة طويلة وقال: ليت الشباب يعود يوماً ثم قال: كانت أيام الشباب مليئة بالحيوية والصراع والمنافسة، التى ربما كانت تغضبنى كثيراً، ولكنها كانت أياماً جميلة مرت كالنسيم فى ظلمات ليال صيفية بديعة ثم ابتسم قائلاً.. وكانت هذه الأيام أيضاً جميلة بالنسبة لهيكل.. التى تبدلت بعد ذلك فى عهد السادات إلى أيام صعبة بالنسبة له انتهت باعتقاله..

فهو الصحفى الوحيد المقرب لجمال عبدالناصر فيثق فيه ويستمع إليه وكان منتشراً بين جميع الصحفيين والكتاب والمفكرين سواء كانوا صغاراً أو كباراً أنه «يا ويل من يغضب عليه هيكل»، وأرجح أن غضب هيكل قد أصابنى وكان سبباً فى حرمانى من الكتابة عاماً كاملاً فبعد أن كتبت مقالتين حملتا عناوين «هتلر والنازية والخروج من مستنقع الاشتراكية» وقبل أن أنشرهما قال لى أحد الأصدقاء: «المقالتان ستثيران غضب هيكل الذى لن ينسى أو يسهو أن ينقل غضبه لعبدالناصر وأنت تعلم مدى انصياع عبدالناصر له وثقته فيه»، ولكننى أصررت على نشرهما فى «روزاليوسف» وبعد نشر المقالتين بشكل متتال، ما توقعه صديقى تحقق فبعد النشر مباشرة صودرت أعداد روزاليوسف من الأسواق وخرج قرار إيقافى عن الكتابة وكان المضحك أنه غير مسبب بمعنى «لم يصاحبه بشكل واضح سبب قرار الإيقاف»، ولكنى بالطبع كنت أعلم سبب الإيقاف وقام بإبلاغى قرار الإيقاف كما ذكرت من قبل إحسان عبدالقدوس.

ولقد تضمنت المقالتان هجوماً عنيفاً ضد عبدالناصر والذى لم تكن له حسنات تذكر على الإطلاق، فمن البداية استولى على قيادة الثورة ونشر العمل المخابراتى فى جميع أرجاء مصر فأصبح الجميع يكتبون تقارير سرية فى بعضهم البعض، وأصبح داخل كل أسرة شخص منها يتجسس عليها ويرفع التقارير إلى القيادات، فهذا بمنتهى البساطة وصفى لعهد عبدالناصر، وقد اكتفى الفيلسوف الكبير مصطفى محمود فى هذه الحلقة بهذه الكلمات التى تبدو قليلة ولكنها تحمل فى مضمونها معانى خطيرة ليطلع القراء على نص المقالتان اللتين تسببتا فى حرمانه عاماً كاملاً من الكتابة وهزتا كيان عبدالناصر، ولكن بعد أن قام بتعديلهما (وذلك لكى تشمل المقالتان العهد الناصرى بكامله وما ترتب عليه وأضاف لهما الأحداث الزمنية الجديدة) وقام بنشرهما مرة أخرى بعد موت عبدالناصر أيام السادات وفى وسط الثمانينيات.

المقالة الأولى:

تتكلم عن هتلر والنازية وحملت عنوان- سقوط اليسار- والتى قال فيها.. لو سئلت ما المشكلة المصرية التى لها الأولوية المطلقة الآن لقلت دون تردد: الفساد والسرقة والغش وخراب الذمم والكسل والسلبية والأيدى الممدودة التى تريد أن تأخذ ولا تعطى والأصوات التى تطالب بالحق دون أن تنادى بالواجب والنهم والجشع وتعجل الربح وضياع القيم وعدم الانتماء.. المواعظ لم تعد تجدى لأنها تخرج من أفواه لا تعمل بها، الكل يهدى ولا مهتد لو سئلت ما السبب لقلت سقوط الهيبة وانعدام القدرة وتراخى قبضة الحكم فى محاولة لإرضاء الكل، والحاكم الأمثل لا مفر من أن يغضب البعض ويصدم البعض ويواجه البعض بما لا يرضى لقد وقفت «تاتشر» أمام إضراب عمال المنجم ولم تهادن ولم تلن وطرحت القطاع العام للبيع رغم الاحتجاج والهتاف وأصوات الاستنكار، وأنقذت اقتصاد بلادها وعالجت التضخم،

وأعلنت أنها عائدة لتستأصل الاشتراكية من إنجلترا وحملتها أصوات الأغلبية إلى الكرسى من جديد تقديراً لشجاعتها، والإصلاح أحياناً يحتاج إلى جراحة وإلى إسالة بعض الدم لإنقاذ المريض من موت محقق والطبيب لا يكون طبيباً إذا افتقد هذا الحد الأدنى من الجرأة ليجرح ويضمد عند اللزوم وفى مصر تركة من الأخطاء القاتلة لابد من مواجهتها فى جرأة، مجانية التعليم الجامعى التى حولت الجامعات إلى مجموعة كتاتيب لا تعليم فيها ولا تربية ولا حتى مجانية وأضعف الإيمان أن يحرم الطالب الراسب من هذه المجانية،

وأن يدفع تكاليف تعاليمه وإلا كان حالنا من يمول الفشل والرسوب والإهمال من الخزانة العامة والخمسون فى المائة عمالاً وفلاحين فى مجلس الشعب التى لا مثيل لها فى الصين أو الهند أو فى روسيا أو فى أى بلد رأسمالى أو اشتراكى والتى لم تكن سوى رشوة قدمها عبدالناصر ليستدر بها التصفيق والهتاف وحق التعيين لخريج الجامعة فى الوظائف الحكومية سواء وجدت هذه الوظائف أم لم توجد وسواء كانت هناك مسوغات وضرورات للتعيين أم لم توجد وهى رشوة أخرى

وبدل بطالة قدمه عبدالناصر من خزانة مفلسة ترزخ تحت عبء الديون لكل عاطل متبطل ليقود له المظاهرات ويوقع على الاستفتاءات، غوغائية زعيم أراد أن يكتل الشارع خلفه ليضرب به أى طبقة تناوئه، الدرس الأول الذى تعلمه فى سنة أولى شيوعية فى كيفية الحفاظ على الكرسى اضرب الطبقات بعضها ببعض واشعل فتيل الحقد الطبقى ثم احتفظ بعربة الإطفاء الوحيدة يلجأ الكل إليك ويقبل الكل قدميك ويستنجد بك الخصم والصديق لأنك تكون حينئذ مرفأ الأمان الوحيد فى بحر الفتن والأحقاد والتناقضات وهكذا فعل صاحبنا فقد وعى الدرس وطبقه بحذافيره وهكذا ترك البلد بحراً من الفتن والأحقاد والتناقضات وميراثاً من الخراب لكل من حمله من بعده.

لأنهم يعلمون أنها القنابل الموقوتة التى تركها عبدالناصر بعد موته لتفرخ التناقضات والأزمات والمشاكل حتى تأتى على البنيان المتهالك من قواعده ولقد كان عبدالناصر يعلم حينما زرع هذه الوعود فى التربة المصرية أن الوفاء بها سيكون مستحيلاً كما أن الرجوع عنها سيكون مستحيلاً وأنها ستظل الشرخ القاتل الذى يقصم ظهر كل من يأتى بعده و«تاتشر» باعت القطاع العام فى المزاد بإنجلترا ووقفت فى وجه عمال مناجم الفحم المطرودين وأعلنت أنها عائدة لتستأصل الاشتراكية من بلادها وعادت تحملها إرادة الأغلبية إلى كرسيها من جديد وما ظن اليسار أنه مستحيل لم يعد مستحيلاً ولم يعد اليسار بالقوة التى كان عليها فى الخمسينيات والستينيات،

لقد تحول التيار السياسى فى العالم كله وسقط الفكر الماركسى حتى فى بلاده وتراجع اليسار فى إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وفقد أكثر مقاعده فى هذه الدول وفقد سمعته وفقد شرفه واليسار المصرى مجرد أعمدة فى الصحف وشعارات ولافتات وصيحات ولكن فى لحظة الامتحان لا يجد له رصيداً شعبياً ولا سنداً جماهيرياً وهو مجرد بقية مما ترك عبدالناصر وقد جاء وقت المواجهة ولا مهرب.. مواجهة الفكر بالفكر.. مواجهة الأكاذيب بالإحصاءات والأرقام الدقيقة.. مواجهة التزييف بالوقائع وبالتاريخ الثابت..

كما أن هناك من يقولون إن عبدالناصر ليس مسؤولاً عن الفساد والتدمير والإهمال والرشوة والخراب الذى وصل بنا إلى ما نحن فيه وهم يعلمون جيداً أن الفساد ما ولد إلا فى حكم عبدالناصر الذى غابت فيه الحرية وقطعت الألسن وقصفت الأقلام وسادت مبادئ النفاق والانتهازية وحكمت مراكز القوى وانطلقت عصابة القتل تعيث فى الأرض فساداً وما ولد الإرهاب الذى نعانى منه اليوم إلا فى زنازين التعذيب فى السجن الحربى بأمر وإشراف عبدالناصر فقد تسبب عبدالناصر وحكمه فى هزيمة منكرة وأرض محتلة ومصر صغيرة أصغر مما ورثها عبدالناصر بمقدار سيناء وبمقدار حجم السودان كله ثم يظهر أحمد بهاء الدين ليقول إن عبدالناصر ترك الخزانة مدينة بأقل من ألف مليون

واليوم هى مدينة بأربعين ألف مليون والظاهر أنه نسى أصول الجمع والطرح ونسى جدول الضرب أو تناسى أين أنفقت الأربعون ألف مليون وكيف أنفقت لإنشاء بنية أساسية تركها عبدالناصر منهارة مخربة أنفقت ليجد تليفونا يتكلم فيه ومواصلة يركبها وماء يشربه ومدناً سكنية.. يجد فيها الشباب غرفة يأوى إليها.. وكهرباء يقرأ عليها ومصادر طاقة وأمناً غذائياً يغطى احتياجات عشرين مليوناً زادوا فى التعداد منذ رحيل رجله وكل هذا بأسعار الثمانينيات وبالدولار الحاضر ثم حرب منتصرة محت عار وخزى ٦٧ بكل ما تكلفه الحرب المنتصرة ثم يمن علينا أحمد بهاء الدين بالسد العالى الذى أقامه صاحبه ولنذكره بالإنجازات الحافلة التى أنجزها صاحبه وكيف انتهت كلها إلى الإحباط وفى حياته الإنجليز الذين أخرجهم من القنال دخل مكانهم اليهود..

والقناة التى أممها ردمها.. والوحدة التى أعلنها مع سوريا رفضتها سوريا.. والاشتراكية التى تصورها راية قومية تجمع العرب تحولت إلى معركة تفرقهم.. ومجانية التعليم انتهت إلى حال لا هو مجانية ولا هو تعليم.. والإصلاح الزراعى هبط بالزراعة حتى جاء اليوم الذى أصبح فيه القمح يأتينا تبرعاً من أخوة لنا فى السعودية خضروا الصحارى وزرعوها دون اشتراكية أو شعارات.. وأخيراً انتهى عبدالناصر وانتهت سياسته إلى الهزيمة والخراب الاقتصادى وجميع أفكاره أخذت حظها من الامتحان وسقطت.

فماذا يحاول الناصريون الإيحاء به وما التقدمية والعلمانية التى يكلموننا عنها كل يوم.. إن مدلول الكلمة الحرفى والصريح هو نظام لا يؤمن إلا بهذا العالم ولا يعمل إلا من أجله ويرى فى حكاية الآخرة والله والحساب والعقاب أنها غيبيات، وسائل غير مطروحة لا تخص سوى أصحابها ولا تتخطى باب المسجد أما فى الشارع وفى المجتمع فلا حكم إلا للقانون الوضعى الذى ارتضاه البرلمان فإذا وافق البرلمان بأغلبية على إباحة الزنى والشذوذ والخمر والقمار والربا فإنها تصبح مشروعة وتكتسب قوة القانون وإن خالفت الأديان وصادمت الشرائع.

هذه هى علمانية أحمد بهاء الدين والأمثلة الموجودة والحاضرة لهذه العلمانية فى البلاد الإسلامية والعربية هى لبنان واليمن الجنوبى وبنجلاديش ونظام أتاتورك وجميعها أمثلة متفاوتة للأزمات الاقتصادية والديون والتخلف والتبعية وفقدان الهوية بل إن الكعبة التى يتجه إليها العلمانيون ويتلقون عنها وحيهم وإلهامهم نرى فيها العمال الكادحين يقفون فى طوابير ليشتروا الكرنب بالبطاقة بينما أعضاء الحزب الشيوعى يأكلون الكافيار ويركبون عربات فاخرة ونقرأ عن برجنيف أنه كان يمتلك جراجاً به أكثر من عشرين عربة فاخرة من أغلى وأفخر أنواع المرسيدس والليموزين وذلك ما يقوله دفتر أحوال هؤلاء العلمانيين برواياتهم وتوقيعهم وبدون تشنيع ومن أجل هذا سقط اليسار فى العالم كله وتراجع جورباتشوف عن أفكار لينين وستالين وبرجنيف وضرب بها عرض الحائط،

كما تراجعت الصين، كما انتكست الأحزاب الشيوعية الأوروبية على رؤوسها ولم يبق من دراويش الماركسية إلا اليسار المصرى يرفع رايات عتيقة بالية انتهت موضتها ويحلم بأمجاد ويقول لنا الزميل أحمد بهاء الدين موتوا بغيظكم وما مات بغيظه إلا صاحبه بل لقد مات بحسرته بهزيمة منكرة وإحباط لم يشهده زعيم قبله والزملاء الرفاق الذين يلبسون قميص عبدالناصر ينسون أن القميص أدركه البلى، وأنه دخل فى تركة ماض انتهى وأصبح مخلفات وأن العصر بمشكلاته ومتغيراته تجاوز عبدالناصر وفكر عبدالناصر وأن المشاكل التى استجدت تحتاج فكراً جديداً وأن نقود أهل الكهف التى يدورون بها فى الأسواق لن تشترى لهم شيئاً افتحوا النوافذ يا رفاق واستنشقوا الهواء نحن على أبواب التسعينيات.

المقالة الثانية

وقد حملت عنوان «الخروج من مستنقع الاشتراكية» والتى قال فيها.. مات الفكر الماركسى بالسكتة فى ساعة دون أن نطلق رصاصة تحية لجيته بمجرد أن الشعوب سمح لها بالكلام ولم تكن البورجوازية هى التى لعنت ماركس هذه المرة بل العمال والفلاحون والبروليتاريا والكادحون فى المناجم والطبقات المطحونة التى زعمت الماركسية أنها جاءت لنجدتها ظهرت الحقيقة وبرح الخفاء، ولم يعد هناك ما يدعو لأن نستمر فى الكذب وفى التستر على الأخطاء فلم تكن الاشتراكية العلمية إلى المحض الخبيث الذى خرجت منه هذه السلالة من السفاحين من لينين إلى ستالين إلى بريل إلى عملاء قتلة أمثال «هوبيكر وجيفكوف وميلوش ياكشى وتشاوتشيسكو» حولوا أوروبا الشرقية إلى زنزانة وسجن وساحة إرهاب وميدان للرعب تقطع فيه الألسن وتقصف الأقلام ولم تكن الاشتراكية العلمية اشتراكية

ولم تكن علمية وإنما كانت تلفيقاً فلسفياً ومكراً يهودياً صنعه ماركس وجر به العالم إلى حمامات دم وإلى صراعات رهيبة بين يمين ويسار استنزفت طاقات الشباب وضيعت أمماً ودمرت اقتصاديات وألقت بشعوب فى شباك عنكبوتية من الأكاذيب وظلت الأكاذيب تتناسب وتتوالد تحت حراسة حديدية من قوة السلاح وفى رعاية قبضة فولاذية من القوة المطلقة لا تتراخى حتى أذن الليل ورفع جورباتشوف قبضته وسمح بالكلام والمكاشفة والمصارحة فإذا به يفاجأ بشعوب تنتفض من سبات لتلعن الملة الاشتراكية ولتثور على سدنتها ولترفض أحزابها وزعماءها ولتطرد سفاحيها،

وإذا به يفاجأ بزعماء الأمس يفرون كالجرذان المذعورة من وجه شعوب تطاردها بالمظاهرات والهتافات واللعنات ومن عاد منهم وكابر أعدمه شعبه رمياً بالرصاص، وقد آن الوقت لمثقفين عرب كرسوا أنفسهم لخدمة هذا الفكر الفاسد أن يراجعوا أنفسهم وهم يرون أمامهم التاريخ فى أوروبا يصنع من جديد على نهج مضاد لما كانوا يرجون من آراء وتنبؤات خابت جميعها وكذبها الواقع وفى بلادنا حان الوقت لنصلح ما أفسده الاقتصاد الشمولى فى هيكل إنتاجنا المتداعى، وما صنعه التأميم والقطاع العام والأداء الفاشل للشركات الخاسرة ما لا تفعله مجانية شاملة لعشرة ملايين طالب من الحضانة إلى الجامعة بدون ميزانية ولمجرد الفشر بأننا نعلّم الفقير والمعدم مجاناً ولا مجانية هناك ولا تعليم ولا تربية

وإنما إهدار واستنزاف بلا عائد سوى الخلل الذى أدى إلى هجرة الفلاحين، من الريف إلى المدينة حيث المدارس والجامعات ليصبحوا جميعاً وزراء وبكوات ومهندسين وأطباء ومحامين، واختلت البنية الاجتماعية فلا يمكن أن نتصور جيشاً كله جنرالات وقادة بدون جنود وتوقفت الزراعة فى الريف ونزل الفلاحون لشراء الخبز والزبد والبيض والدجاج من المدينة ومدت المدينة يدها لتستورد القمح والدجاج والبيض من هولندا وأمريكا، وأنا وزير وأخويا أمير وابن عمى مدير يبقى مين حيسوق الحمير ومن يجمع الزبالة بالقاهرة والمحافظات..

أخطاء القرارات الاشتراكية التى أعلنت فى الستينيات ألقت البلاد فى مستنقع من التناقضات والصراعات والعقم الاقتصادى والتدهور الإنتاجى ولا أحد يواجه الكارثة، والنتيجة هو منطق عام اسمه لا مساس لا مواجهة لا حسم ولا أدرى ما السبب أهو الخوف من عواقب المواجهة ولكن الخوف له فاتورة تتراكم هى الأخرى وقد عاش عبدالناصر فى الخوف من الجيش وفى الخوف من المخدرات فظل يؤجل المواجهة، الحاسمة من سنة إلى أخرى لا مساس بهذا ولا مساس بذلك وظلت فاتورة الخوف تتراكم حتى دفعها عبدالناصر مرة واحدة فى هزيمة ٦٧ ولم تجد بعد ذلك قرارات محاكمة صلاح نصر ولا اعتقال عبدالحكيم عامر، لأن أوان الحسم كان قد فات وحمل عبدالناصر وحده خزى الدهر واقترنت الهزيمة باسمه وبسياسته..

وكل ما تفعله أنها تؤجل المواجهة وتؤدى إلى عواقب تراكمية يرتفع فيها المد وراء السد حتى يحطم السيل ويقول صاحب المشكلة اتركها لمن يأتى بعدى يحلها، وأوفر على نفسى المصادمات ولكن من أدراه متى يأتى الطوفان..

ولا توجد روشتة شافية ولا وصفة منجية تخلص أى صاحب مسؤولية من مسؤوليته ولا يوجد إلا حل واحد هو الخروج من مستنقع الاشتراكية بمواجهة أخطائها وإصلاح ما أفسدته فى البنية الاجتماعية ودول أوروبا الشرقية تفعل هذا، وعلينا نحن أيضاً أن نفعله، ظروفنا أحسن فلسنا فى المأزق التراجيدى الذى تمر به دول أوروبا الشرقية، لأننا قطعنا أكثر من نصف الطريق بقرارات العادات الجريئة ولم يبق إلا أن يعيش طريق اليسار فى خزى ووجهه بلون الأرض وهو لا يفتح فمه إلا بهراء وقد تغير اتجاه الريح وانتهى عصره وبدأ عصر جديد لابد أن يسود فيه فكر جديد ومنهج جديد فالآن وليس غداً..

ومن ليل العذاب تجمع ملايين اليابانيين على أنقاض هيروشيما ليضعوا اليد على اليد فى ميثاق عمل.. ميثاق عرق.. ميثاق سهر وقد فعلوها وصنعوا قنبلة اقتصادية.. فجروا ثورة إنتاجية.. قادوا مظاهرة علمية بهرت العالم.. ردوا على أمريكا بتحد أكبر وأخطر، هذه أمم مرشحة لقيادة التاريخ فى السنوات المقبلة، لقد رفع أجدادنا أهرامات بدون حديد وبدون مسلح وبقيت على الزمان خمسة آلاف عام ونحن نرفع عمارات من الأسمنت والخرسانة والمسلح لتقع منهارة بعد شهور من بنائها والفرق الوحيد هو هذا الشىء الذى نتحدث عنه، روح الجد عندهم..

وروح اللعب والعبث عندنا إن العمر قصير والإنسان لم يولد ليعيش عبثاً ويموت عبثاً، ويجب أن نعمل شيئاً فى حياتنا.. وهناك شىء فى الذوق العام وفى الفهم وفى الوعى وفى الإدراك يجب أن يتغير وعلينا أن نجدول أولوياتنا من جديد بحيث يكون العمل الجاد فى البند الأول واللعب فى البند الأخير.

الخميس، 24 ديسمبر 2009

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود --الحلقه الخامسه..الصدام مع عبدالناصر

■ إن الاستسلام للمنطق والعقل وحده فيه استئصال لأجمل ما فى الإنسان.. روحه.. ووجدانه.. وضميره ولو لم يكن إبليس موجودا لأوجدناه

■ إننا لا نستطيع أن نعيش دون أن نسمع ذنوبنا

■ هناك شبح نلعنه كل يوم ونرجمه لأنه غرر بنا

■ نحن نساعد فى خلق الأباطرة والجبابرة

■ بل نحن الذين نخلقهم ونشكلهم بأيدينا

■ إن الشياطين من صنع أيدينا والإجرام قرين لكل منا

■ لأننا جميعا أبناء القاتل قابيل

■ لكل منا قرين ولكن يوجد من يسيطر على قرينه ويوجد من يسيطر عليه قرينه

■ إن السم لا يزرع ولا يصنع ولكنه يخرج من حقدنا وحنقنا لبعضنا البعض

■ ولا يحين الموت إلا بعد أن ينتهى الأجل

■ فالموت قرار من الله وحده

مصطفى محمود

مازال المفكر الكبير والفيلسوف مصطفى محمود يفتح حقيبة أسراره ويطلعنا على ما تحويه دفاتره ويخرج كل ما بداخلها من أسرار.. مازال قلبه ينبض.. مازال عقله واعيا يتذكر كل تفاصيل رحلته الطويلة التى قضاها باحثاً عن اليقين يحاول الوصول للحقيقة الغائبة عن الجميع، يقول مصطفى محمود: ليس من السهل أو المعقول أو الطبيعى على الطيور أن تكف عن التحليق فى الفضاء، أو على العصفور أن يسجن فى قفص حتى ولو كان من الذهب والأحجار الكريمة، أو على المفكر أن تحجب أفكاره وترصد الرقابة قلمه وتختار نوع الحبر الذى ينسج به كتاباته،

وبالتالى لم يكن من السهل أن تحجب عنى كل ألوان الحياة من الماء والهواء والضوء والحياة التى تتمثل فى الكتابة والتعبير عن الرأى، وإخراج كل ما يدور داخلى من صراع وأفكار تحاول إثبات حقيقة المسلمات ـ التى تكلمت عنها من قبل ـ ولكن هذه كانت طبيعة الظروف والأحوال فى عهد الديكتاتورية التى مرت بها مصر.. عهد تحرير المصريين لاستعبادهم،

هذا بكل بساطة وصفى ورؤيتى لعهد جمال عبدالناصر فمهما تقدم بى العمر وطعن السن فى الشيخوخة ووصلت إلى أواخر أيامى فلن أنسى ما كان يحدث فى عهده من فتح السجون والمعتقلات ومصادرة الفكر والرأى، وبالطبع عانيت فى تلك الفترة لأننى كنت أحد الكتاب البارزين خاصة بعد أزمة كتابى الأول «الله والإنسان» فكنت أتوقع أنه فى أى لحظة لابد أن يقع بينى وبين عبدالناصر الصدام الذى وقع مع الجميع من قبلى، وبالفعل فوجئت بأن إحسان عبدالقدوس يطلبنى فى مكتبه بـ«روزاليوسف» وتوجهت إليه مباشرة، وعندما دخلت إلى السكرتارية لكى تبلغه بأنى أنتظره فوجدتها تقول لى: ادخل الأستاذ مستنيك على نار منذ أكثر من ساعة ولغى كل مواعيده.

فانتابتنى أفكار بأن هناك شيئاً خطيراً حدث أو منتظراً أن يحدث ولكننى تجاهلت كل هذه الأفكار ودخلت عليه المكتب فوجدته من الوهلة الأولى يقول لى وهو يبتسم: أهلا يا مغلبنى وبسببه طاير النوم من عينى. وكأنه كان يهدأ من وطأة المسألة، وقلت له: خير يا إحسان فى قضايا تانى اترفعت عليا ـ فقد كنت خارجاً من قضية كتاب «الله والإنسان» لسة طازة.. فقال: يا مصطفى اجلس فى البيت.. فقلت له يعنى إيه.. قال صدرت أوامر بمنعك من الكتابة، فقلت من أصدر هذه الأوامر ولماذا أتوقف عن الكتابة؟..

قال يمكن أن يكون بسبب المقالتين اللتين قمت بكتابتهما ونشرهما مؤخرا.. ثم أن أمر الإيقاف من قيادات عليا جدا.. فقلت له مين يعنى.. الراجل الكبير.. هز رأسه بالإجابة «نعم» وقال: يا مصطفى احمد ربنا إن المسألة منع من الكتابة بس ومفيش اعتقال ولا سجن، فابتسمت رغم أنى أتمزق بالداخل لما سمعت وقلت له: ومن أدراك فلابد أن الاعتقال سيأتى عن قريب إن لم يكن الليلة..

وسلمت عليه بحرارة وقلت لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. فقال: يومين وهترجع تانى متقلقش وانصرفت من مكتب إحسان عبدالقدوس وأنا يداهمنى شعور رهيب بأنه سيتم اعتقالى ولن تمر على الليلة إلا وأنا داخل أحد السجون أو المعتقلات، فهذا كان سلوكاً سائداً فى تلك الفترة وتجولت فى شوارع القاهرة دون الشعور بالوقت حتى وجدت أن قدمى قادتانى إلى شقتى دون أن أدرى ودخلت الشقة وأنا يداهمنى شعور غريب بأن هناك من يراقبنى ولهذا أيقنت بأننى سأتعرض للاعتقال فى هذه الليلة لا محالة،

فجلست فى شقتى أنتظر طوال الليل عملية القبض على مستعداً تماماً بعد أن قمت بتجهيز حقيبتى التى وضعت بها «مجموعة كتب وغيارين داخليين وبيجامتين ومكنة حلاقة ومجموعة أمواس وصابونة ومعجون أسنان وفرشاة وشبشب حمام» واعترف بأن هذه الليلة كانت أصعب ليلة مرت على فى عمرى كله وفى حوالى الساعة الثالثة ليلاً وجدت طرقاً شديداً على الباب، وعرفت أن ما توقعته يتحقق فتوجهت لأفتح باب الشقة لكى أواجه مصيرى وقدرى الذى لا مهرب ولا مفر منه، وشاهدت ثلاثة ضباط ومجموعة من العساكر الذين دخلوا الشقة مندفعين إلى الحجرات دون استئذان،

وقبل أن أفتح فمى أخرج الضابط من جيبه أمراً بالقبض على موقعاً من عبدالناصر شخصياً فحملت حقيبتى بعد أن فتشوها وركبت سيارة الترحيلات وتوجهت إلى السجن الحربى، وواجهت بداخله أشد أنواع التعذيب البدنى والنفسى وفجأة استيقظت من النوم لأجد نفسى داخل حجرة نومى، ويتضح لى أن كل ما شاهدت من «تعذيب وضرب بالسيط والنوم فى حجرة مليئة بالمياه فى ليالى الشتاء قارسة البرودة»

كانت جميعها أحلاماً وكوابيس هاجمتنى طوال فترة نومى، لأن عملية القبض على شغلت تفكيرى ساعات كثيرة قبل خلودى إلى النوم، وارتحت بعض الشىء لأنه لم يتم القبض على فى الليلة الأولى بعد فصلى من العمل ونفيى فى البيت ـ فهكذا كنت أسمى أيام توقفى عن الكتابة بأنها أيام النفى - ولكن لم يتركنى الشعور بأنى سأعتقل ولكنى خرجت من كابوس اعتقالى لأواجه كابوساً ومعاناة أخرى ومختلفة وهى مسألة الإنفاق والمصاريف، فشغلت تفكيرى كثيراً مسألة كيف سأعيش بعد أن فقدت مهنتى ككاتب صحفى فى «روزاليوسف» وهناك قرار بمنعى من الكتابة فى أى جريدة أخرى وليس لى أى مصدر دخل أو رزق آخر.

لكن العناية الإلهية لم تنسنى فأثناء تفكيرى ومحاولة تدبير الحاجات بما تبقى معى من راتب وجدت أحد أصحاب دور النشر يطلب منى إعادة طباعة بعض الكتب التى طرحت بالأسواق لشدة إقبال الجمهور وطلبه المستمر لها فوافقت فى الحال، وكان عائد هذه الكتب هو مصدر الدخل الوحيد لى طوال فترة النفى، ورغم أن مشكلة الإنفاق والمصاريف قد دبرت إلا أننى كنت أعانى المشاكل النفسية التى تمزقنى وتشتت أفكارى، فالكتابة تمثل كل حياتى وكيانى فأصبحت تطاردنى مشاهد من داخل «روزاليوسف» وأيام نزولى إلى حجرة الأرشيف واطلاعى عليه وأنا أقرأ وأتأمل إعلانات كانت تنشر قبل قيام الثورة وطرد الملك فأين سعد حسين المطرب الصاعد الآن؟!

وهل كان يعلم بما سيحدث من ثورة وإذاعات موجهة ترسم اتجاهات وأذواق البشر.. كيان كامل اختفى وذاب كما يذوب الملح فى الماء، أصبحت خيالات أننى سأختفى ولن أصبح حتى ذكرى ليتذكرنى الناس تطاردنى من غرفة نومى إلى البلكون إلى الصالون، وحتى وأنا بجوار الراديو أستمع إلى موسيقى وغناء عبدالوهاب لا تتركنى هذه الأفكار المجنونة والمحطمة، عشت ومررت بحالة نفسية سيئة جداً كنت أشعر فى معظم الأحيان بأننى أنتظر تنفيذ حكم بالإعدام أو قرار بالإفراج وكل هذا لأننى أعلنت عن رأيى فى الماركسية وهتلر والنازية فى مقالتين، وكان جزاء الرأى النفى فقد تحولت مصر فى تلك الفترة إلى مقبرة للمفكرين وأصبحت الكلمة لا تصل صحيحة للناس، وأبرهن على ذلك «بأن أكبر دليل على تزييف الكلمة ما قرأناه وسمعناه بالكذب عن انتصارات ساحقة فى حرب ٦٧ من الإذاعة والصحف المصرية»، ولذلك بدأت أخرج كل ما بداخلى فى الكتابة..

والكتابة الخفية التى لا يراها أحد غيرى.. فبدأت أكتب مجموعة موضوعات غريبة وعجيبة عن أينشتاين وغيره من الفلاسفة وأخرجت كل حنقى على الاشتراكية والديكتاتورية، ولكنى كنت أشعر فى أحيان باليأس فكيف أقوم بكتابة رأيى حيال ما يحدث فى مصر ثم أقوم بإخفائه وتخبئته فبدأت بكتابة كتاب «الإسلام والماركسية» وحاولت أيضا أن أكسر هذا الشعور الرهيب بالوحدة، فاتجهت إلى القراءة بشكل شرس وتعمقت فى المسرح حتى قمت بكتابة ثلاث مسرحيات أخرجت فيها كل ما كان يدور بداخلى من مشاعر بالظلم، وتناولت بداخلها النظام الديكتاتورى الموجود وقتها، والذى قام بتعذيب وتهجير وتشريد وسجن وقتل المفكرين والكتاب لأنهم يريدون الإصلاح ويعبرون عن أفكارهم وآرائهم فى كل ما يحدث حولهم، وكل هذا أظهرته فى كتابتى لثلاث مسرحيات «الإنسان والظل، الزلزال، الإسكندر الأكبر» ـ وأخفيتها حتى مات عبدالناصر وقمت بنشرها فى عهد السادات وهذه المسرحيات حاولت بها مسرحة الواقع السياسى والاجتماعى الذى واجهته مصر وقتها، فقد كانت أفعال عبدالناصر جميعها شكلاً من أشكال الفوضى الخاطئة..

وطالت فترة حجبى ومنعى من الكتابة حتى أنها وصلت إلى عام كامل من العزلة فى منفاى، وفى إحدى الليالى الصافية الجميلة فوجئت بكامل الشناوى يقوم بزيارتى ويقول لى مقولته الشهيرة: أنت تلحد على سجادة الصلاة، ولهذا فقد قمت بزيارة هيكل وتحدثت معه عن الأزمة التى حدثت لك وهو يريد رؤيتك فى مكتبه بالأهرام. وفى اليوم التالى ذهبت إلى هيكل وقابلنى بقوله: إزيك يا مصطفى وعامل إيه.

قلت له: أنا مش كويس طول ما أنا بعيد عن الكتابة. فقال لى: ارجع اكتب من اليوم لو حبيت. فسررت بشدة ولكننى كنت على يقين بأن هيكل هو الوسيط الوحيد الذى يمكن أن يقبل عبدالناصر منه كلاماً أو وساطة فى موضوعى لمدى قربه منه وثقته فيه ولكننى لم ألجأ إليه منذ البداية.. وعندما سألناه لماذا لم تلجأ إليه رفض الخوض فى التفاصيل وانتقل إلى موضوع آخر.
قال مصطفى محمود: لأن القدر يلعب دوره دائما معى فبالترتيب الإلهى فقط.. حدث أثناء عام النفى والحجب عن ممارسة الكتابة أن قابلت زميل الدراسة فى كلية الطب وصديقى الذى كان حبيباً إلى قلبى الدكتور أنور المفتى، وكان يعمل طبيباً خاصاً لعبدالناصر وطلبت منه التحدث إلى عبدالناصر لكى أعود إلى الكتابة من جديد، ووجدته يقول لى:

يا مصطفى أنت تعرف مدى حبى الشديد لك وبسبب هذا الحب فكرت حينما علمت بمنعك من الكتابة أن أتحدث إلى عبدالناصر أثناء إشرافى الطبى اليومى عليه، لكننى تراجعت لأن هناك قصة منتشرة حوله وهى أنه يجازى من يطلبون منه طلبات خاصة، حيث تجرأ ذات مرة سائقه الخاص وطلب منه طلباً خاصاً فأصدر قراراً بفصله من العمل فى اليوم التالى مباشرة، ولهذا فقد انتابنى شعور الخوف لأنه سيترتب على ذلك إبعادى عن عملى ووظيفتى كطبيب خاص له مثلما أبعد سائقه الخاص،

كما أنه يمكن أن يظن أننى أؤمن بنفس أفكارك وبالتالى سيترتب على ذلك شعوره بأننى خطر على حياته، خاصة وأنا طبيبه الخاص فيلفق لى تهمة ترمينى وراء الشمس وأنا لى زوجة وأولاد كما تعرف، كما أننى بحكم قربى منه سمعت وعرفت وشاهدت كيف يختفى من الوجود من يعارضه بمجرد إشارة من إصبعه خاصة وإنه يكرهك ويقول عليك «الواد ده ملحد وخطر على المصريين»، فقلت له لهذه الدرجة كرهه لى وقسوته مع من يتعاملون معه، فقال الدكتور أنور المفتى:

عبدالناصر يتمتع بعصبية غير عادية ومريض بجنون العظمة ويمكن أن تقول عليه «مجنون بذاته».. والغريب أنه بعد أقل من ثلاث سنوات توفى الدكتور أنور المفتى فى ظروف غامضة وتعددت الشائعات حول وفاته.. لكن الثابت فى التحقيقات أن زوجته قالت إنه ليلة وفاته بعد عودته إلى المنزل «تناولنا العشاء، وبعد ذلك نظر فى المرآة بعض الوقت وقال لى أشعر بأنى لن أعيش أكثر من أربع ساعات» إذ أنه اكتشف أعراض تسمم تظهر عليه ومن بينها كان «بؤبؤ» عينيه يتحرك وهذا الحادث أثر على كثيراً.. وأثارنى أنا وغيرى من أصدقاء الدكتور أنور المفتى.. ولم نجد تفسيراً أبداً لهذا السؤال: من اليد الخفية وراء مقتل أنور المفتى.. ومن المستفيد من وفاته!

والعجيب أنه أثناء انشغالنا بهذا الحادث كثيراً فوجئنا بوفاة عبدالحكيم عامر بنفس الأسلوب دون تفسير أو إعلان عن حقيقة ما حدث له، وزاد الأمر بشكل كارثى بعد نشر التحقيقات مع صلاح نصر عقب القبض عليه، واعترف بأنه كانت دائماً بحوزته سموم من أنواع نادرة وكان يستعملها كلما وجد الحاجة لإسكات بوق عالى الصوت.

وانتهت هذه الحكايات بموت عبدالناصر نفسه.. هناك تساؤل يجب ألا يمر دون أن نقف أمامه وهو: كيف توفى جمال عبدالناصر؟!

قيل عن وفاته الأقاويل الكثيرة والمتعددة، وكان من بينها أنه مات مسموماً، ولكن الحقيقة أن عبدالناصر مات لأنه مريض بالسكر ولتقصير وإهمال الطبيب فى تشخيص حالته الصحية بالخطأ، فكان يمكن إنقاذه من الموت بحقنة جلوكوز فى الوريد فتنتهى أزمة وغيبوبة السكر التى تعرض لها، ولكن أخطأ الطبيب الذى يعالجه أو ربما تعمد الطبيب أن يخطئ وعرف تشخيص حالته بشكل صحيح ولكنه لم يسعفه فقد مات عبدالناصر نتيجة غيبوبة السكر التى هاجمته، حيث كان مريضاً «بالسكر البرونزى» وهو أحد أندر أنواع مرض السكر، ومن أسهل ما يمكن أن يموت مريض هذا النوع فى حالة إذا تعرض للإهمال الطبى، وهذا هو ما حدث.